الهداية هي الدلالة بلطف، وهي الدلالة إلى الخير، والتخصيص هنا فيه نكتة. والنكتة هي: اختصاص الدلالة بالدلالة إلى الخير؛ لأن التلطف يُناسب مَن أُريد به الخير.
وقال سبحانه:"اهدنا"بصيغة الجمع. لماذا؟ لأن الذي يدعو به يدعو به في الصلاة، وقد تكون الصلاة جهرية، واللائق بالإمام أن يدعو له ولغيره، وهذا فيه إثبات علمه سبحانه بالغيب، وإثبات رحمته بالخلق.
وقيل: إن الدعاء للمؤمنين حسن في كل حال، ولكن هذا من حقوق الأخوة الإيمانية، وجاءت بلفظ الآية.
وقيل: إن الدعاء بصفة الجمع؛ لأنه هو أقرب إلى القبول. والكل جائز والكل معنى صحيح.
قال سبحانه:"اهدنا الصراط"فما هو الصراط؟
الصراط هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه، قال الإمام الطبري - رحمه الله: وهذا المعنى مُتفق عليه.
والصراط هنا هو دين الإسلام، فإن الله يقول:"قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. دينًا قيمًا" [الأنعام: 161] ، فقوله:"دينًا قيمًا"تفسير لقوله:"صراط مستقيم"وهكذا هنا، والقرآن يُفسر بعضه بعضًا.
وقد اتفقت كلمة العلماء على تفسير الصراط بهذا المعنى، ولكن اختلفت تعبيراتهم، قال بعضهم: الصراط هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: هو القرآن. وقال بعضهم: هو طريق العبودية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ما معناه: هذا الاختلاف تنوع في العبارة، واختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وإلا فإن المعنى والمُسمى واحد.
وروي عن بعض السلف أنه قال: الصراط هو الحج. وهذا التفسير لا يُقصد به التعيين ولكن يُقصد به التمثيل. فمثاله: لو سأل رجل من العجم عن معنى الخُبز؟ فجاء شخص وأشار له إلى رغيف. فهذا الجواب يقصد به المثال ولا يقصد به الحصر والتعيين، يعني الرغيف كهذا. وهكذا قوله: الصراط الحج.
ولهذا استعير لفظ الصراط ليدل على دين الإسلام. وإلا فإن الصراط هو الطريق، ولكن الطريق لا يُسمى صراطًا إلا إذا جمع بين أربع خصال ما هي؟ الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والسعة، والقرب.
إذًا التعبير عن الإسلام بالصراط له معانٍ، وله دلالات وإشارات.
الصراط في اللغة: الطريق الواسع، والإسلام هو الدين الحق وهو الطريق الحق، ومن صفاته: أنه الطريق الواسع، وسع الخلق ووسع الحق فهو الدين الذي دعا جميع الخلق إلى جميع الحق، وهو الطريق الذي لم يحوج سالكيه إلى غيره، لم يُحوجهم أن يخرجوا منه ويسلكوا طريقًا غيره.
ولهذا نقول: في هذه الآية رد وتكذيب، رد على مَن قال: إن أحدًا من الناس يسعه الخروج عن طريق الإسلام. وتكذيب لمن قال: إن دين الإسلام قاصر، أو أنه عاجز في وقت من الأوقات أو في زمن من الأزمان.
ومن فوائد لفظ"الصراط المستقيم": الإخبار بأن دين الإسلام هو أقرب الطرق وهو أقصر وهو أسرع الطرق. فإن لفظ"الصراط"من صفاته القرب، ولفظ"المستقيم"هو أقرب خط وأقرب طريق بين نقطتين.
ومن الفوائد: أن لفظ"المستقيم"يتضمن الإشارة إلى أنه يوجد طرقًا غير مستقيمة، ويوجد مناهج ملتوية، ولعل هذا تبكيت لليهود والنصارى ..
ومن الفوائد اللطيفة: إيضاح أن الحق واحد لا يتعدد، فإن لفظ"المستقيم"لفظ يدل على الفرد، وأل فيه للعهد، وأن لفظ المستقيم يدل أيضًا على الانفراد، فالمستقيم كما يُعرفه أهل الهندسة هو: أقرب خط يصل بين نقطتين، وهذا لا يكون إلا واحدًا، وهكذا طريق الحق لا يكون إلا واحدًا كما أخبر الله سبحانه"فماذا بعد الحق إلا الضلال".
ومن الفوائد: الإبانة بأن طرق الباطل كثيرة وهذه واحدة، وأن طرق الباطل ملتوية ومُجهدة ومُتعبة لأصحابها وهذه ثانية، وأنها طرق لا توصل إلى المقصود الصحيح وهذه ثالثة.
هذه الفوائد الثلاث تؤخذ من لحن العبارة، تؤخذ من مفهوم المخالفة للفظ"الصراط المستقيم".
من فوائد الآية الكريمة: التنبيه إلى عظم هذا الدعاء، الدعاء بالهداية إلى الدين، وفضل هذا الدعاء. لماذا؟
لأن هذا الدعاء دعاء قرآني، قد تكلم به الله تعالى في مُحكم التنزيل.
وثانيًا: هذا الدعاء قد فرضه الله، فرضه سبحانه في كل صلاة فرضه في كل ركعة أن تقوله وأن تدعو به.
وإن قيل: لمَ قال:"اهدنا الصراط المستقيم"أليس المُصلي مهتدِ، أليس المسلم على الصراط المستقيم هل هذا من تحصيل الحاصل؟
أجاب عنه العلماء بأجوبة، كلها أجوبة صحيحة، وأجوبة مُتقاربة.
(يُتْبَعُ)