وفي كتاب"تحزيب القرآن"جدول مفصّل بالمدد وما يناسبها من أحزاب القرآن وأجزائه، ولكل قارئ أن يختار منها ما هو ألصق بحاله وأرعى لظروفه، والكتاب جدير بالاطلاع وهو من مطبوعات دار ابن حزم.
ومن السلف من كان يختم ثمان ختمات منجّمة بين اليوم والليلة كما نقل النووي في"التبيان"ص 60 عن ابن الكاتب أنه كان يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات، ثم علّق النووي بقوله:"وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة".
ومن النّاس من حملهُ حبُّ القرآن والتعلّقِ به إلى أن ختمهُ قراءة في ركعة واحدةٍ، فقد ثبت ذلك عن ريحانة القرّاءِ وإمامهم عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - وثبت كذلك عن غيره بل قال النووي في"التبيان"ص 60:"وأما الذي يختم في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم"، وسمعتُ من شيخنا العلامة العابد محمد بن محمد المختار الشنقيطي غير مرّة أنَّ والده ممن ختم القرآن في ركعةٍ واحدةٍ قام بها من الليل، وهذا وإن فعلهُ هؤلاء العبّاد الصالحون أصحاب المقامات العالية إلا أنه لم يكن لهم بعادة ولا طبعٍ، والأتم الأكمل هو سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم وهديه بتوزيع القراءة على الأيام حتى يكون أعون على فهم القرآن وتدبّر آياته.
ثمَّ إنَّ هؤلاء الذين ختموا القرآن في أقل من ثلاثة أيام وإن خالفوا ظاهر الأمر النبوي بعدم قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام إلا أنَّ لبعضهم تأويلًا سائغًا في ذلك وهو ما ذكره المباركفوري في"تحفة الأحوذي"8/ 273 بقوله:"ولو تتبعت تراجم أئمة الحديث لوجدت كثيرًا منهم أنهم كانوا يقرؤون القرآن في أقل من ثلاث، فالظاهر أنَّ هؤلاء الأعلام لم يحملوا النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على التحريم".
وقد ذكر الشيخ مازن الغامدي - عليه رحمة الله - في كتابه الذي هو قطعة أثيرةٌ من روحهِ العذبةِ الشفّافة"رحلتي إلى النور"أنَّ الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - كان يقرأ في شهر رمضان كل يومٍ عشرة أجزاءٍ من القرآن، فيحصّل بذلك فضيلة ختم القرآن في كل ثلاثة أيام مرّة، وممّا ذكرهُ عن الشيخ أنّهُ دخل إلى مصلّى الجمعة الذي في مقدمة جامعه أحد الأيام من رمضان فختم عشرة أجزاء وهو يمشي في المصلى ذهابًا وإيابًا.
وفي كتاب"تحزيب القرآن"ص 139 أنَّ الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - كان يختم القرآن في قيام الليل كل شهر مرّة يقرأ كل ليلةٍ جزءًا من القرآن في صلاته.
والهائمون بكتاب الله، المنقطعون إلى رياضهِ، المستعذبون لمعانيه وأحكامه كثرٌ، لا يزيدهم إقبال النّاس على الدنيا إلا تمسّكًا بالكتاب العزيز، وتطوافًا بمغانيه الروحانيّة، وحياضه الإيمانيّة، وعضًا عليه بالنواجذِ، ومن أعجب من وقفت على خبره في تتبّعِ كلام الله سماعًا وإسماعًا، وحرصًا على تلقّيهِ من الشيوخ الثقاتِ بأسانيده المتصلةِ الإمام أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي المغربي، فقد أخذ القرآن عن 365 شيخًا من آخر المغرب إلى باب فرغانة يمينًا وشمالًا وجبلًا وبحرًا، حتى قال عن نفسه:"ولو علمت أحدًا يقدم علي في هذه الطريقة في جميع بلاد الإسلام لقصدته"، قال فيه الذهبي في كتابه"معرفة القراء الكبار"- ط. طيار قولاج - 2/ 819:"إنما ذكرت شيوخه وإن كان أكثرهم مجهولين، ليُعلم كيف كانت همّة الفضلاء في طلب العلم"، وانظر أيضًا"منجد المقرئين"لابن الجزري ص 188 - 189.
لله هذه الهمم الصالحة في تعظيم القرآن تلاوة وتعلّمًا وسماعًا!
ويبقى أمران:
أوّلهما: أنَّ من سمت به همّته فإنّهُ سوف يقوى - بإذن الله تعالى - على ختم القرآن في شهر رمضان ست مرات، ثلاث مرات في العشرين الأولى من شهر رمضان بأن يختم كل سبعة أيامٍ ختمة، ثمَّ يختم في العشر الأخيرة كل ثلاثة أيام ختمة، وسوف يحصل له بعض الكسرِ في أيام الختمات الأولى لكن يمكن تداركها بضغط الختمة لتكون في ستة أيام وزيادة بعض الساعات، حتى يصفو له في العشر الأخيرة ثلاث ختمات دون التعرض للنهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، فتلك ست ختمات تامّة كاملة.
(يُتْبَعُ)