أما القول الثالث فضيف إذ ليس مناسبقًا للمقام فالسياق لا يدل عليه بل يدل على القولين الأول والثاني فالمراد من الآية أن النوم كالسبات وهو انقطاع الحركة والراحة الشبيه بالموت والاية دليل من أدلة البعث كما مر ولذا فالقول الرابع غير مناسب كدليل للبعث كما هو ظاهر ولأن النوم قد يكون ممتدا طويلًا وقد يكون قصيرا ولم تحدد الآية ايهما بل أطلقت ولا دليل على تعيين ذلك فيبقى السبات على إطلاقه وهو اصله المراد منه وهو قطع الحركة والسكون راحة كالموت.
وضعفه الألوسي ورجح القول الثاني في تفسيره روح المعاني (30/ 7) فقد سبقه بقوله قيل التي تدل على التضعيف وهذا نص كلامه: (وقيل السبت التمدد كالسبط يقال سبت الشعر إذا حل عقاصه وعليه تفسير السبات بالنوم الطويل الممتد والأمتنان به لما فيه من عدم الأنزعاج ... إلى أن قال: واختار المحققون كون السبات هنا بمعنى الموت لأنه أنسب بالمقام كما لا يخفى) إنتهى
وكذلك فعل العلامة القاسمي في تفسيره محاسن التأويل عند تفسيره آيتنا هذه إذ قال: (وقيل: السبات هو النوم الممتد الطويل السكون؛ ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم: إنه مسبوت وبه سبَات. ووجه الامتنان بذلك ظاهر؛ لما فيه من المنفعة والراحة، لأن التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئًا من الراحة. وقد أفاض السيد المرتضى في"أماليه"في لطائف تأويل هذه الآية.) إنتهى قلت فقد سبقه بكلمة قيل التي تدل على التضعيف فتنبه وقد مر اختيار القاسمي للقول الأول.
أما القول الرابع بأنه النوم الخفيف على أن المعنى جعلنا نومكم نوما خفيفا غير ممتد فيختل به أمر معاشكم ومعادكم
فضعيف والرد عليه هو الرد على القول الثالث ولأن النوم قد يكون خفيفا وقد يكون ثقيلا ولم تحدد الآية ايهما بل أطلقت ولا دليل على تعيين ذلك فيبقى السبات على إطلاقه وهو اصله المراد منه وهو قطع الحركة والسكون راحة كالموت.
أما القول الخامس فضيف كسابقيه والرد عليه كالرد عليهما ولأن النوم قد يكون متقطعا وقد يكون ممتدا طويلًا ولم تحدد الآية ايهما بل أطلقت ولا دليل على تعيين ذلك فيبقى السبات على إطلاقه وهو اصله المراد منه وهو قطع الحركة والسكون راحة كالموت.
شبهة للملاحدة والرد عليها
وقال الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب (31/ 7) : (قوله تعالى وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا السبات هو النوم والمعنى وجعلنا نومكم نومًا واعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوهًا أولها قال الزجاج سُبَاتًا موتًا والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران أحداهما قوله تعالى وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ(الأنعام 60) إلى قوله ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ (الأنعام 60) والثاني أنه لما جعل النوم موتًا جعل اليقظة معاشًا أي حياة في قوله وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (النبأ 11) وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضًا ليس المراد بكونه موتًا أن الروح انقطع عن البدن بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة وهذا هو النوم ويصير حاصل الكلام إلى إنا جعلنا نومكم نومًا وثانيها قال الليث السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت وقال أبو عبيدة السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت وهذا القول أيضًا ضعيف لأن الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو باطل لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم وثالثها أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتًا إذا حلق شعره وقال ابن الأعرابي في قوله سُبَاتًا أي قطعًا ثم عند هذا يحتمل وجوهًا الأول أن يكون المعنى وجعلنا نومكم نومًا متقطعًا لا دائمًا فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء أما دوامه فمن أضر الأشياء فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في معرض الإنعام الثاني أن الإنسان إذا تعب ثم نام فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب فسميت تلك الإزالة سبتًا وقطعًا وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا أي راحة وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله فحينئذ تحصل
(يُتْبَعُ)