قَالَ ابن رجب: مَا يُؤَهِّلُ الْمُلُوكُ لِلْخَلْوَةِ بِهِمْ إلَّا مَنْ أَخْلَصَ فِي وُدِّهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمُخَالَفَةِ،فَلَا يُؤَهِّلُونَهُ وَلَا يَرْضَوْنَهُ لِذَلِكَ.
ولهذا كان من أحسن ما أثنى الله به على مؤمني أهل الكتاب قوله تعالى عنهم: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) !
فما الذي يوقظهم من الفرش اللذيذة؟ والنوم الهنيء؟
فيقال: لقد سمعوا الحادي .. لقد سمعوا رسول الله ج يخبر عن ربه ـ الذي خزائن الدنيا والآخرة بيده ـ يقول: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟!
وهل يفرط في هذا إلا محروم؟! وهل يفرط في هذا إلا محروم؟! وهل يفرط في هذا إلا محروم؟!
إخوة الإسلام:
4 ـ وإذا كان الحديث عن الليل في القرآن،فلا يمكن لنا أن نتجاوز امتنان الله تعالى علينا بهذه النعمة،وكونه سكنًا ولباسًا ومنامًا: قال ـ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ،وقال أ: (وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ،وقال ـ: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) .
وإن هذا الامتنان يوجب على العبد أن يقف معه وقفات،أهمها:
1 ـ كثرة الشكر والثناء على الله،فإن الله يقول: (وما بكم من نعمة فمن الله) .
2 ـ أن يوطن نفسه على السير فيها على هذه الفطرة التي فطر الناس عليها، فلا يقلبن الليل نهارا،ولا النهار ليلًا؛ لأن مخالفة الفطرة ـ في هذا الأمر ـ تقلل بركة العمر بل قد تذهبه.
أيها المسلمون:
وللمنفقين مع الليل أسرار وأخبار ... ، فقد سمعوا قول ربهم: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .
جاء في ترجمة الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب y ـ المشهور بزين العابدين ـ حفيد النبي ج،جاء في ترجمته أنه كان يُبَخّلُ ـ أي: يوصف بالبخل ـ فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة، فلما جاء المغسل ليغسله وجد بظهره أثارًا مما كان يحمل بالليل من الجرب إلى المساكين،حتى قال أحد أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين ( [1] ( http://www.tafsir.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1 ) ) .
سلام الله على تلك الأرواح .. ورحمة الله على تلك الأشباح .. لم يبق إلا أخبار و آثار .. كم بين من يمنع الحق الواجب عليه .. و بين أهل الإيثار؟!:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم * * * ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد!
أقول قولي هذا،وأستغفر الله ...
الخطبة الثانية
الحمد لله،والصلاة والسلام ... ،أما بعد:
فكما أن للّيل جانبًا مشرقًا،وصورةً وضاءة .. فهو ـ أيضًا ـ وقتٌ نبّه الله عباده إلى أن أحد أوقات غفلة الناس، فليحذروا سخط الله،وبأسه، قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)، وقال ـ: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ(97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99 ) ) .
فهل يعقل هذا المعنى،من يمضون أوقاتهم بما لا يرضي الله، بل بما يسخطه؟!
وهل يعي هذا المعنى أهل السهرات الآثمة؟! والليالي الحمراء؟!
هل يعي هذا الدرس الإلهي من قطّع ليله بأعمال تزيد من رصيد سيئاته؟!
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .
فالآمن من مكر الله خاسر .. ،والذي يصفه بأنه خاسر ليس محللًا اقتصاديًا،ولا خبيرًا اجتماعيًا،ولا،بل هو رب العالمين أ.
ومن صور مكر الله بعبده .. أن ينسيه ساعة الموت،فيقبض على معصية،وسوء خاتمة ـ والعياذ بالله ـ وأنى له الاستدراك؟! (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .
وأخيرًا ...
تذكر صورتين اثنتين لاثنين يعملان في الليل، أحدهما قال الله عنه: {أمن هو قانت ... } ، والآخر أتته المنية وهو يشرب،أو يزني،أو في أي معصية كانت .. فليحذر العبد أن تمر به تلك الساعة التي ذكرها الله عن بعض العصاة والمجرمين: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
اللهم بارك لنا في ليلنا ونهارنا، وفي عمرنا كله ..
اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها،وخير أعمالنا خواتمها، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك فيه
اللهم أصلحنا،وأصلح بنا،وأصلح أحوالنا .. اللهم بصرنا بمواطن الزلل منا ..
( [1] ) حلية الأولياء 3/ 136.
(يُتْبَعُ)