فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 20296 من 53113

البغدادي المعروف بسبط الخياط مؤلف المبهج وغيره في القراءات رحمه الله أنه كان قد أعطى من ذلك حظًا عظيمًا، وأنه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته، وآخر من علمناه بلغ النهاية في ذلك الشيخ بدر الدين محمد بن أحمد ابن بصخان شيخ الشام، والشيخ إبراهيم بن عبد الله الحكري شيخ الديار المصرية رحمهما الله، وأما اليوم فهذا باب أغلق، وطريق سد، نسأل الله التوفيق، ونعوذ به من قصور الهمم ونفاق سوق الجهل في العرب والعجم.

ولا أعلم سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد، مثل رياضة الألسن، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغ الكاتب بالرياضة وتوقيف الأستاذ، ولله در الحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله حيث يقول: ليس بين التجويد وتركه، إلا رياضة لمن تدبره بفكه فلقد صدق وبصر، وأوجز في القول وما قصر. فليس التجويد بتمضيغ اللسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفك، ولا بترعيد الصوت، ولا بتمطيط الشد، ولا بتقطيع المد، ولا بتطنين الغنات، ولا بحصرمة الراءات، قراءة تنفر عنها الطباع، وتمجها القلوب والأسماع، بل القراءة السهلة العذبة الحلوة اللطيفة، التي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسف ولا تكلف، ولا تصنع ولا تنطع، لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء بوجه من وجوه القراءات والأداء ..

(انتهى من كلام ابن الجزري رضي الله عنه)

ثم وقفت على كلام رائق جميل للإمام السيوطي من كتابه (معترك الأقران في إعجاز القرآن) فيقول رحمه الله ورضي عنه:

الوجه الحادي عشر من وجوه إعجازه: أن سامعه لا يمجه، وقارئه لا يله، فتلذ له الأسماع، وتشغف له القلوب، فلا تويده تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضا طريا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه، يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، لأن إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد، وكتابنا - بحمد الله - يستلذ به في الخلوات، ويؤنس به في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطربا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها.

(انتهى من كلام السيوطي رضي الله عنه)

وكنت من قبل قرأت تجربة مع سورة النجم سردها الأستاذ سيد قطب - رحمه الله ورضي عنه - في سفره (في ظلال القرآن) عجبت لها، وعلمت أن القرآن هو القرآن، وإنما هو قلوب الفاهمين المتدبرين الخاشعين، مع جمال التلاوة وحسن القراءة. يقول رحمه الله:

كنت بين رفقة نسمر حينما طرق أسماعنا صوت قارئ للقرآن من قريب، يتلو سورة النجم. فانقطع بيننا الحديث، لنستمع وننصت للقرآن الكريم. وكان صوت القارئ مؤثرًا وهو يرتل القرآن ترتيلًا حسنًا.

وشيئًا فشيئًا عشت معه فيما يتلوه. عشت مع قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - في رحلته إلى الملأ الأعلى.عشت معه وهو يشهد جبريل - عليه السلام - في صورته الملائكية التي خلقه الله عليها. ذلك الحادث العجيب المدهش حين يتدبره الإنسان ويحاول تخيله! وعشت معه وهو في رحلته العلوية الطليقة. عند سدرة المنتهى. وجنة المأوى. عشت معه بقدر ما يسعفني خيالي، وتحلق بي رؤاي، وبقدر ما تطيق مشاعري وأحاسيسي. .

وتابعته في الإحساس بتهافت أساطير المشركين حول الملائكة وعبادتها وبنوتها وأنوثتها. . إلى آخر هذه الأوهام الخرفة المضحكة، التي تتهاوى عند اللمسة الأولى

ووقفت أمام الكائن البشري ينشأ من الأرض، وأمام الأجنة في بطون الأمهات. وعلم الله يتابعها ويحيط بها.

وارتجف كياني تحت وقع اللمسات المتتابعة في المقطع الأخير من السورة. . الغيب المحجوب لا يراه إلا الله. والعمل المكتوب لا يند ولا يغيب عن الحساب والجزاء. والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد. والحشود الضاحكة والحشود الباكية. وحشود الموتى. وحشود الأحياء. والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر أو أنثى. والنشأة الأخرى. ومصارع الغابرين. والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى!

واستمعت إلى صوت النذير الأخير قبل الكارثة الداهمة: {هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة} . .

ثم جاءت الصيحة الأخيرة. واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب: {أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون؟} .

فلما سمعت: {فاسجدوا لله واعبدوا} . . كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقًا إلى أوصالي. واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي، لم أملك مقاومته. فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعًا هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة!

(انتهى من كلام سيد قطب رحمه الله ورضي عنه)

فقرءاننا جماله في ذاته، في لطافة نفسه، فحيثما خرج دون تكلف فهو آت من السماء، ولا يحتاد القرآن إلى (حزقات) الحازقين، ولا إلى انفجار عروق القارئين، بل هو التجويد المكين، والنّفس الرصين، وخشوع الصوت والجسد لرب العالمين، وقرآنه العربي المبين.

فهل تودون الاستماع إلى هذه القراءة العذبة الحلوة اللطيفة التي تكلم عنها ابن الجزري؟

إنها قراءة جذبتني جذبة وأخذتني أخذة، ما دريت إلا بالقرآن ينزل من السماء، في ليلة تظهر نجومها، بعيدا عن أضواء المدينة، فكدت أصطحب حاسوبي، وأصعد إلى سطح منزلي، في ساعة متأخرة من الليل، حيث السماء بمحتواها، وفراغ بيتي عن الإحاطة بالمنازل، حيث بعده عن الزخم السكاني، فلا ضوضاء ولا غبش ولا أضواء، إلا ضوء النجوم، فأستمع إلى القرآن يأتي من السماء، أستمع إلى سورة النجم، فيقسم الله بالنجم إذا هوى .. ثمف إلى سورة نوح، فيحدثنا الله عن نوح وحقيقة ما كان مع قومه ..

فهل ستقابلك تلاوة هي أروع من تلك؟

لن يجدي الكلام .. وإنما ذق تعرف ..

وأهيب بالقارئ أن يستمع ولا يكسل، وليستعذ بالله من تخذيلات الشيطان الرجيم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت