قال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أى: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيهم أفشى. وقيل: هذا لأصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم-، كما قال- صلى الله عليه وسلم-:
«خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «1» وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدها. وإلى هذا ذهب معظم العلماء.
وأن من صحبه- صلى الله عليه وسلم- ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتى بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب الجمهور.
وذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله- صلى الله عليه وسلم-: «خير الناس قرنى» ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه- صلى الله عليه وسلم- جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود، وقد روى أبو أمامة أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: «طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى سبع مرات لمن لم يرنى وآمن بى» «2» .
وفى مسند أبى داود الطيالسى عن محمد بن أبى حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند النبى- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أتدرون أى الخلق أفضل إيمانا؟» قلنا: الملائكة، قال: «وحق لهم، بل غيرهم» . قلنا:
الأنبياء، قال: «وحق لهم، بل غيرهم» ، قال- صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بى ولم يرونى فهم أفضل الخلق إيمانا» «3» .
وروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلى بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت
(1) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(2) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (5/ 248 و 257 و 264) ، وابن حبان في «صحيحه» (7233) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في صحيح الجامع» (3924) .
(3) لم أجده فيه، ولا في غيره.