أصحاب الأخدود ... عبر ودروس
طارق مصطفى حميدة
(كان ملك فيمن كان قبلكم) .. يفتح الستار فإذا القارئ أو السامع أمام ملك، ذلك أن الذين كانوا يواجهون الأنبياء ودعاة التوحيد هم أصحاب الزعامة والرياسة، لأنهم استعبدوا الناس وظلموهم واستعلوا عليهم وأكلوا حقوقهم، فكان من الطبيعي أن يكون هؤلاء أول من يحمل، بل ويقود، لواء الحرب ضد الدين.
وفي القرآن تكاد لا تُذكر قصة نبي إلا وفيها أهل الإيمان يواجههم الملأ - أي الزعماء الذين يملأون عيون الناس لمكانتهم وغناهم- كما نرى في قصة نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام، وفي قصة موسى عليه السلام، نرى فرعون وملأه يتصدرون مشهد الحرب ضد دعوة التوحيد.
وإذا لاحظنا عبارة (فيمن كان قبلكم) ، أي أن ما يقصه الرسول عليه الصلاة والسلام ليس سوى عينة تمثيلية من بين عشرات وربما المئات أو الألوف، ما يعني أن ما تتعرضون له من البلاء والأذى من كبراء قريش ليس جديدًا وليس خاصًا بكم، بل هو سنة ربانية جرت على كل المؤمنين قبلكم وها هو الدور يأتي عليكم؛ فالذين كانوا قبلكم واجههم مثل الذي واجهتم، أو لنقل، إنكم تواجهون مثل الذي واجههم، لا بل إن الذي تواجهونه ليس بشيء إذا ما قورن بالذي واجهوه.
لقد"امتلأ الوحيُ بالقَصص التاريخي؛ لتكونَ كلُّ قصَّة جسرًا لهم عبر الزمان يأتيهم منه الأُنس المطمئِنُ لقلوبهم، والخبرة الضابطة لحرَكتِهم، والحق المبطل لتحريف عدوِّهم، والذِّكرَى المثبتة لهم، والموعظة التي تحدوهم، حتى المقام المحمدي نفْسه كان بحاجةٍ إلى هذا التثبيت؛ {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] " [1] .
(وكان له ساحر) .. له .. أي مِلك له، فالساحر ملك للملك ويعمل لأجله، والسحر في خدمة المُلك لتثبيت نظام الملك،"ولم يكن السحر مجرد ظاهرة موجودة في المجتمع بل إنه اتجاه يحكم هذا المجتمع وعندما يحكم السحر نفهم طبيعة الواقع الخاضع فلابد أنه واقع فاسد قائم بالظلم ومحكوم بالهوى"،ومهمة الساحر، كم يتابع الشيخ رفاعي سرور:"ألا يكون في المجتمع قوة عاقلة أو عقل قوي" [2] .
(1) أصحاب الأخدود، محمود العشري.
(2) أصحاب الأخدود، رفاعهي سرور.