الصفحة 5 من 40

و"السحر ـ كما يقول الدكتور عمر الأشقر -عالم عجيب، تختلط فيه الحقيقة بالخرافة، والعلم بالشعوذة، كما تختلط فيه الدوافع والبواعث، والغايات بالأهداف."

وهو عالم ظاهره جميل خلاب، يفتن قلوب البسطاء، ويخدع السذج والرعاع، وباطنه قذر عفن، يتجافى عنه أولوا الألباب، وينأى عنه أصحاب الفطر السليمة، والقلوب المستنيرة". (عالم السحر والشعوذة، 1989) ."

ولعل أول ما يلاحظه قارئ القرآن الكريم، هو ذلك الارتباط الوثيق بين السحر والفرعون، واجتماعهما معًا في حرب الدين، بل إن السحرة أنفسهم يعلنون بأن فرعون قد (أكرههم) على السحر منذ زمن بعيد سابق ليوم المبارزة مع موسى، وهو ما عبروا عنه بالقول (إنا آمنا بربنا ليغفر خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر) إذ يبدو أن الفرعون كان ينتقي الفتيان الأذكياء ويأخذهم من أهاليهم ويدفعهم إلى من يعلمهم السحر ... ثم يفرقهم في المدائن ليقوموا بما يلزم لتثبيت حكم الفرعون ... وقد لاحظنا كيف أشار الملأ على فرعون أن يبعث في"المدائن"حاشرين ليأتوه بكل سحار عليم ... ما يؤكد التلازم الوثيق بين السحر والملك. والملاحظة الثانية أن الشياطين هم الذين يتولون تعليم الناس السحر، (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) ، وبالتالي فالسحر وسوسة شيطانية، وكيد شرير، يستهدف أول ما يستهدف حرف الناس عن الصراط السوي، ودعم حكم الفرعون في محاربة التوحيد، والشيطان يوسوس والفرعون يتولى مهمة إكراه الناس على الكفر.

وإذا استعرضنا أنشطة وأعمال السحرة في تثبيت حكم الفرعون وحرب الدين نلاحظ الأمور الآتية:

أولًا: الإلهاء والتخدير

ذلك أن حكم الفرعون يتسبب في ظلم الناس وهضم حقوقهم وانتهاك كرامتهم ... فيقوم السحرة بأعمالهم وحركاتهم العجيبة والغريبة، والتي تعتمد خفة الحركة وخداع البصر، فيشغلون الناس عن التفكير في واقعهم الأليم وتجعلهم يعيشون في غيبوبة تنسيهم آلامهم وتقعدهم عن العمل للتغيير.

ثانيًا: الخداع وقلب الحقائق

إن السحرة في الواقع لا يغيرون حقائق الأشياء وإنما هم يخيلون للناس أنها تغيرت، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في أكثر من موضع في مثل قوله تعالى: (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) وقوله أيضا: (فلما ألقوا سحروا أعين الناس) . إن أقرب تشبيه لدور السحرة في واقعنا المعاصر هو ما تقوم به الكثير من وسائل الإعلام في قلب الحقائق وتزيفها وإظهار الحق باطلًا والباطل حقًا، والهزائم انتصارات، والجهاد إرهابًا، والاستسلام والتفريط سلامًا، والظلم عدلًا، والاستعمار تنويرًا، والدين تطرفًاَ، والمجون فنًا، والإلحاد فكرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت