أصحاب الأخدود ... عبر ودروس
طارق مصطفى حميدة
(ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى) :
كان المتوقع بحسب التسلسل"التنظيمي"أو الدعوي، أن يؤتى بالغلام وليس الجليس بعد الراهب، لكن الذي جرى هو العكس، ذلك أن الجليس ومن قبله الراهب ليسا بتلك الأهمية للملك بينما يُعدّ الغلام ليكون ساحره، والملك بحاجة إلى ساحر، وقد تعلم الغلام من الساحر الكثير، ثم إن الساحر نفسه لم يعد له ذكر في القصة ما يعني أنه قد غاب حقيقة عن الحياة أو عن الوجود الفاعل وإمكانية أن يعلم تلميذًا آخر بدلًا من الغلام.
ثم إن الغلام هو الذي كان يتعامل مع الجماهير ويعيش بينهم، وله حضور فاعل وعميق فيهم، ولذلك فردود الأفعال على قتله ستكون أشد خطرًا على النظام من قتل صاحبيه، كما أن الملك لا يزال يتمنى بقاء الغلام حيًا ليقوم بوظيفة الساحر التي كان يعد لها.
وحيث إن الغلام، وليس الراهب الذي كان معتزلًا للناس، هو رأس الدعوة الحقيقي بين الجماهير، فقد كان الملك جد حريص على أن يترك الدعوة، ويصور للناس بأنه ساحر وليس داعية إيمان، فيترك المؤمنون الدين، ويرجعوا إلى سابق عهدهم في التبعية والعبودية بالنسبة للملك، ولذلك جرى تأخير قتل الغلام عن صاحبيه لترهيبه، وأيضًا ترغيبًا له حيث إنه شاب يافع له مستقبل باهر ينتظره، ولذلك لم يسارع الملك إلى شقه نصفين كما فعل بسابقيه، بل أطال مدة المراودة طيلة الطريق حتى ذروة الجبل على أمل أن يرجع عن دينه.
ومن شُراح الحديث كصاحب (دليل الفالحين) من لفت إلى أن الضمير في أصحابه في قوله عليه الصلاة والسلام: (فدفعه إلى نفر من أصحابه) ، يحتمل أن يعود إلى الغلام أيضًا، وإن بدا هذا الاحتمال مرجوحًا لا راجحًا، خاصة مع استخدام لفظ (نفر) والتي تشير إلى الجنود وهم رجال الملك لا أصحاب الغلام، فضلًا عن الاحتمال المتبادر برجوعه إلى الملك، فمن الطبيعي أن يكون أولئك النفر من أصحاب الملك الذين هم طوع أمره ومحل ثقته، لكن احتمال أن يكونوا من أصحاب الغلام له وجاهته أيضًا، فإن تسليط أصحاب الشخص وأقاربه ومحبيه وأصدقائه عليه قد يكون له تأثير أبلغ من تأثير الملك ورجالاته عليه، حيث إن الأصحاب يتكلمون بلغة