الصفحة 26 من 40

النصح والحب والحرص على المصلحة كما يرونها، والإنسان ضعيف أمام مشاعر الحب وعلاقات القرابة، بينما يميل صاحب المبدأ إلى التحدي في مواجهة الخصوم والأعداء.

ولفت الأستاذ رفاعي سرور إلى:"أن أهم ملاحظة في تجربة القتل والتعذيب واللين، هي التعبير عن طلب الرجوع عن الدين أو المساومة فيه بصيغة المبنى للمجهول (فقيل ارجع عن دينك. ذلك للراهب والجليس الغلام) ... وأما القتل فعلًا فجاء بصيغة الفعل المبني للمعلوم وهو الملك (فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه) ، والسبب في ذلك هو أن المساومة مع أصحاب الدعوة لايتناسب مع الإرادة السياسية العليا، ولكن الجاهلية عندما ترغب في المساومة فإنها توكل بها مجهولًا يساوم خفية لكي لا يؤثر على مهابة الدولة، أما القتل والتعذيب فهو الأمر الذي يتفق مع تلك المهابة بل يزيدها" [1] .

ويصل"الأصحاب"، بالغلام إلى ذروة الجبل ويظل متمسكا بدينه، ويتوجه إلى ربه سبحانه بالدعاء: (اللهم اكفنيهم بما شئت) ، قمة التفويض إلى الله تعالى وغاية التوكل عليه والتسليم له سبحانه .. (اللهم اكفنيهم بما شئت) ..."بأي كيفية يرضاها الله سبحانه وتعالى وبأي سبب يختاره عز وجل، فليس التوكل على الله عند المؤمن محدودًا بخبرة الواقع ودراسة الظروف؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما استطاع الغلام أن يدعو بهذا الدعاء لأن الواقع لم يكن يحتمل أي تفكير، ولكنه التوكل بكامل حقيقته وجوهر معناه انطلاقًا إيمانيًا لا يتقيد بضيق الواقع، وارتفاعاًَ وجدانيًا لا يهبط بشدة الظروف، وعندما يتحقق التوكل ... تتحقق الاستجابة بإذن الله [2] ".

واللافت أن الغلام لم يستسلم للشهادة في سبيل الله بل كأنه فر منها، ذلك أن الشهادة على عظم أمرها وسمو قدرها ومكانتها ليست الغاية الأهم التي قام الدعاة لأجلها، بل هم قاموا لأجل تحرير الناس وتعبيدهم لربهم وإقامة الدين فيهم وتمكينه بينهم، وإذا ما تحول كل الدعاة إلى شهداء فمن عساه يقيمها ويقوم بها؟

إن ثمة فارقًا كبيرًا بين تحول جميع الدعاة والمجاهدين إلى شهداء، وبين تحركهم بنفسية الشهداء والاستعداد للشهادة في كل لحظة إن لزم الأمر، والشهداء في كل المراحل، يكون لهم الدور الفاعل، والحاسم في أحيان كثيرة، في ترسيخ معاني التضحية والفداء وتعميق الإيمان بالفكرة، ومن ثم في تحقيق الانتصارات، لكن لا بد من بقاء واستمرار من يقيم الدين في الأرض ويرفع رايته بين الناس، إن العيش في سبيل الله تعالى لا يقل أهمية عن الشهادة في سبيله، إن حياة المؤمن، وأكاد أقول حياة الإنسان بعامة، هي خير له من الموت والوفاة، وما جدوى أن يُخلق المرء اليوم لتكون وفاته أو مقتله في اليوم التالي؟ وهو المعنى الذي يرشدنا إليه الرسول عليه السلام حين نهى أن يتمنى المرء الموت لضر أصابه، وأقصى ما يجوز له من الدعاء في ذلك

(1) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.

(2) رفاعي سرور، أصحاب اأخدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت