أن يقول: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي) ، والملاحظ تعبير أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، ما يعني أن حياته واستمراها في الأصل خير للإنسان، وأن الاستثناء أن تكون تلك الحياة شرًا له.
إن الشهداء الأوائل لهم الدور الأكبر فيمن يظل خلفهم، دون أن ننسى بأن المؤمن الواعي لا يسعى للشهادة المجردة بل حيث تكون تلك الشهادة أفعل في نصرة الدعوة، ولذلك وُصف المؤمنون بأنهم {يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون} فهم حريصون على هزيمة أعدائهم وقتل جنودهم قبل أن يُقتلوا شهداء، وقد رأينا خالد بن الوليد ينسحب بجيش مؤتة حتى ليعيرهم صبيان المدينة بأنهم الفرار، لكن يرد عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم الكرار إن شاء الله، وعلى إثر تلك المعركة التي انسحب فيها خالد من المعركة لقبه الرسول صلى الله عليه وسلم بسيف الله، وقد كان بإمكان خالد رضي الله عنه أن يظل في الميدان أمام الأعداد الغفيرة من جحافل الروم والذين يبلغون عشرات أضعافهم، حتى يستشهد جنود المسلمين عن آخرهم ثم لا يتبقى لدولتهم الفتية قوة ولا شوكة، لكنه ضن بهذه الثلة أن تضيع بمثل تلك المغامرة حتى كان هو نفسه من يديل دولة الروم في اليرموك.
إن حياة الداعية المجاهد هي أغلى ما يملك، والمطلوب منه أن يستثمر كل لحظة فيها لتحقيق ما هو مكلف به، ثم لا تكون شهادته إلا حيث يعتقد أنها ستؤدي إلى أعظم نصر للدعوة وإعزاز للدين، وإثخان في الأعداء وهزيمة لهم؛ ولذلك يؤجل الغلام طلب الشهادة مرة ومرة،
لقد كان بإمكان الغلام أن يغيب عن المشهد وينجو بنفسه بعد إذ نجاه الله تعالى من الملك في هذه المرة والمرة التالية، لكن مطلوب المؤمن الداعية المجاهد ليس نجاته شخصيًا، بل هو يريد مزيدًا من الحياة لمزيد من الدعوة وإقامة الحجة ونشر الدين ونصرته، إنه لم ينسحب كونه صاحب رسالة معنيًا باستمرارها وبلوغها غاياتها، ولذلك لم يكن منه خروج من البلدة ولا قعود في بيته، بل يأتي الملك الذي يفاجأ به أمامه: (ما فعل أصحابك؟ كفانيبهم الله تعالى) ، قمة الإخلاص وعدم تضخم الذات بعطاءات الله تعالى وما يجريه على يديه لا سابقًا ولا لاحقًا، في السابق أكد: (إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى) ، واليوم أيضًا لا يقول إنه قدر عليهم أو تخلص منهم بل: (كفانيهم الله تعالى) ؛ إن الله تعالى هو الفاعل الوحيد والفعال لما يريد، هو المحيي المميت كما أنه هو الشافي وأنت أيها الملك لا حول لك ولا قوة، فلتصح من غفلتك ولتكف عن خداع نفسك والناس، فلست الرب، ولست المحيي المميت، كما أنك لست الشافي.
"وسبب عودته إلى الملك هو سبب طلبه للنجاة من أصحاب الملك فوق الجبل؛ وهو أن الدعوة لم تتم، وليست الحياة هدفًا يحرص عليه الدعاة إلا من خلال كونها ضرورة من ضرورات الدعوة، سواء أكان تحقيق هذه الضرورة يتطلب الحرص على الحياة أو الحرص على الموت."