الصفحة 31 من 40

أصحاب الأخدود ... عبر ودروس

طارق مصطفى حميدة

(فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وماهو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهما من كنانتي. ثم ضع السهم في كبد القوس. ثم قل: باسم الله، رب الغلام. ثم ارمني. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني) .

(إنك لست بقاتلي) ، تأكيد بلسان المقال على واقع الحال، فالواقع والتجربة وتكرار المحاولة كلها تؤكد للملك وتجعله يوقن بعجزه عن قتل الغلام، فالغلام يؤكد هذا المعنى لدى الملك ليبني عليه ما بعده.

إن قول الغلام للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به) ، ثم تحديده الطريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها قتله، هو من قبيل الكرامة للغلام، وإلا فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس مخرجه الاجتهاد وتحليل المواقف، فحسب.

(حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟) : من جهة فإن شدة رغبة أعداء الدين في القضاء على المؤمنين، توصلهم إلى درجة من الجنون وفقدان السيطرة، والاستعداد للقيام بأي عمل، واتخاذ أي وسيلة، لبلوغ تلك الغاية، ما يجعلهم يقعون في شر أعمالهم ويرتد كيدهم إلى نحورهم، ولذلك يصبحون مسلوبي الإرادة، أسرى الرغبة في التخلص من الدعاة، حتى ليستعدون لأن يكونوا تحت الأمر، حيث يقول الغلام: (حتى تفعل ما آمرك به، ويرد الملك بكل خضوع: وما هو؟) .

إن التعليمات المفصلة التي أملاها الغلام على الملك، واستسلام الملك لها، يظهر مقدار انهيار نفسية الملك، وبلوغه حالة شديدة من العجز عن اتخاذ القرار أي قرار، ومن جهة أخرى وعي الغلام لهذا الواقع واستثماره، بل إن تسلسل الأحداث يظهر أن الغلام هو الذي أوصل الملك إلى تلك الحالة، ومن ثم ضرب ضربته.

إن عجز الكفار عن القضاء على المؤمنين، ويأسهم من إمكانية ذلك، يجعلهم أقرب للاستماع إلى الطرف الآخر، ومن ثم الامتثال لأوامره، إن قريشًا لم تصبح مؤهلة للجلوس على طاولة التفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا بعد أن أيقنت بعجزها عن القضاء على دولته ودعوته، وذلك بعد خيبتها في غزوة الخندق التي تحزب فيها معهم عرب الجزيرة مع اليهود، فإذا كانت عدة قوى مجتمعة لم تقدر على القضاء على المسلمين فإن قريشًا منفردة لا يمكن أن تفعل ذلك، وقد أدرك الرسول عليه السلام ذلك فأخبر أصحابه أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت