قريشًا لن تغزوهم بعد عامهم ذاك، ولا يضير أن يكون هذا القول وحيًا أو بالتحليل، ولذلك كانت رحلة العمرة التي انتهت بصلح الحديبية، حيث أملى الرسول شروطه في الصلح عشر سنين، وأن من أراد من قبائل العرب الدخول في حلفه كان له ذلك، وكانت قريش تحول دون القبائل والقرب من الرسول عليه السلام ودولته، وقد كان هذا الصلح فتحًا مبينًا، أسلم عقبه وفي أقل من عامين، أضعاف الذين آمنوا في تسع عشرة سنة سابقة، كما أدى هذا الصلح إلى فتح مكة، ونتج عنه اعتراف رسمي بدولة الرسول صلى الله عليه وسلم، أفاد منه الرسول في بعث رسله إلى الملوك والأمراء، بينما كان الذي يشغل مفاوض قريش قضايا شكلية من مثل عودة المسلمين عن العمرة في ذاك العام وأدائها في العام التالي، وألا يقبل الرسول من يأتيه مؤمنًا من قريش، وكأن الإيمان يحجزه اتفاقية، أو يمنعه وليّ أو مسؤول.
إنه بقدر ما يحرص الفراعنة على إبعاد الدعاة عن الجماهير ومواطن التأثير فيهم، يجب على الدعاة أن يحرصوا على أن يكونوا دائمًا قريبين من الناس متواصلين معهم، من أجل توصيل أفكارهم من خلال اللقاءات الجماهيرية وعبر وسائل الإعلام المختلفة، والبحث عن أكثرها جمهورًا وشعبية، وبالتالي تأثيرًا وفاعلية، والعمل في المناطق المركزية والعواصم والمدن الرئيسة، ويكفي أن نتذكر بأن الله تعالى قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم في مكة التي كانت أبرز حواضر الجزيرة العربية، والتي يحج إليها العرب كل عام، عدا عن رحلات العمرة المتعددة سنويًا، وبالتالي لم يكن حاجة لأن يتنقل الرسول في الجزيرة لأن وفود القبائل يصلون مكة مرارًا كل عام، ويكفي أن يتحرك الرسول بينهم خلال مناسك الحج أو يزورهم حيث يخيمون، ولم يجد الرسول داعيًا لمغادرة مكة أو الانتقال منها إلى غيرها حتى التقى بوفد يثرب ثم كانت بيعتا العقبة فالهجرة، علمًا بأن اللقاء بهم كان في مكة في موسم الحج.
الغلام الذي يدرك ما يدور في عقل الملك، وما يشغل باله ويحرك سلوكه وتصرفاته، يأمره أن يجمع الناس في صعيد واحد ... ساحة واحدة، كيما تصل الرسالة إلى الجميع صافية نقية، وواضحة جلية في أجلى صورة وأنصعها، وهو يدرك مدى أهمية الجماهير وضرورة الوصول إليها والتواصل معها، يدرك ذلك لكونه داعية صاحب فكرة، يحال بينه وبين الناس أن يظهر الدعوة فيهم، حتى إنه ليحتال ويتخفى من أجل الوصول إليهم ودعوتهم، وهو يدرك أهمية الجماهير كذلك مما يعتقد أن الساحر لقنه إياه، لكن من أجل تعبيدهم للملك.
وكأني بالغلام قد استحضر قصة نبي الله موسى عليه السلام، حين عين موعد اللقاء بالسحرة {يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضحى} ، والملاحظ أن الغلام بذكائه وفطنته، صنع مثل صنيع نبي الله موسى عليه السلام، حيث قد استغل كلاهما قدرات خصومه وإمكانياتهم في حشد الجماهير لنصرة دينه وأهدافه السامية، فالملك بسلطاته أقدر على جمع الجماهير.