الصفحة 33 من 40

(فجمع الناس في صعيد واحد. وصلبه على جذع. ثم اخذ سهما من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله، رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السهم. فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام) :

ومن جهة أخرى فإن هذه التعليمات المفصلة والتزام الملك بها تهدف إلى إظهار وتأكيد أن ليس أي قدرة على الإماتة، ذلك أن الكنانة كنانة الغلام، والسهم سهمه، سيأخذه الملك من كنانته، ثم سيقول الملك: (باسم الله رب الغلام) فيقع السهم في صدغ الغلام: بين عينه وشحمة أذنه، والموضع ليس مقتلًا، ثم يضع الغلام يده في صدغه في موضع الجرح فيموت، فإذا الجماهير المجتمعة تصرخ بصوت واحد: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام) .

لقد ظن الملك أنه بقتل الغلام تنحل مشكلته ويرتاح من إزعاجه وتنتهي بموته دعوته، ونسي أنه ليس أفعل ولا أقوى من الدم والشهادة ومواقف التضحية والفداء في إذكاء الثورات وتحريك الجماهير، وتفجير براكين غضبها. وهنا وفي اللحظة التي ظن الملك فيها أنه قد ارتاح من الغلام ودعوته بقتله، إذ بهذه الدعوة بعدما كانت حركة فردية خجولة متناثرة، إذ بها تتحول حركة شعبية جماهيرية عارمة، متحدية غاضبة.

لكن ما الذي جعل هذه الجماهير تؤمن بهذا الشكل الجماعي؟

لقد أيقن هؤلاء أن الله تعالى هو وحده المحيي المميت، وليس الملك الذي سقطت دعوى ربوبيته، ومن قبل ترسخ لدى الناس أن الله تعالى هو الشافي وليس ساحر الملك، فماذا عساه يبقى للملك يخدع الناس أنه ربهم الذي ينبغي أن يُخضعوا له رقابهم؟.

من الواضح أن هاتين القضيتين في غاية الأهمية من جهة إثبات توحيد الله تعالى، ورد دعاوى الملوك المتألهين، ولذلك رأينا إبراهيم عليه السلام يواجه الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك بقوله: {ربي الذي يحيي ويميت} ولم يخجل ذاك المأفون من الادعاء بأنه كذلك يحيي ويميت، ثم إن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يدعو قومه إلى توحيد الله تعالى ونفي الأرباب المزعومة، يؤكد أن ربه سبحانه هو المحيي المميت، بعد أن يؤكد بأنه هو الذي يشفيه إذا ما مرض: {وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين} .

وما زلنا في العوامل التي أدت إلى الإيمان الجماعي لتلك الجماهير، والتي منها التضحية في سبيل الدين، والثبات عليه، والاستشهاد في سبيله، من قِبل الراهب والجليس والغلام، حيث تترسخ قيمة الإيمان في النفوس وأنه أغلى من الحياة ذاتها حتى لتطيب التضحية بالحياة لأجله.

ولا ننسى سيرة الغلام من حين قتل الدابة ومضى الناس، ثم حركته بين الناس مداويًا وداعيًا، حيث إن الجليس لم يكن الوحيد الذي آمن مع الغلام في السابق، لكن تسليط الضوء على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت