الصفحة 34 من 40

إيمانه دون غيره لأنه كان السبب في أن تتطور الدعوة باتجاه الاصطدام بالملك ونظامه، وتداعيات ذلك، ومن المتوقع بل المؤكد إيمان كثيرين ممن كان يعالجهم الغلام من الأدواء المستعصية وغير المستعصية، سواء اشترط عليهم الإيمان أم لم يشترط، ومن الطبيعي أن هؤلاء قد أخفوا إيمانهم، لكنهم أثروا بشكل أو بآخر في دائرة أوسع. كما أن تحول الغلام من ساحر الملك إلى داعية للإيمان مناهض للملك مما يقوي لدى الناس دواعي تصديقه ومتابعته والاقتداء به.

إن هتاف الجماهي: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام) ليشبه قول سحرة فرعون: {آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} ، ولعل ذلك كيلا تختلط الأمور ويتزيف الوعي، فالإيمان واضح بالله، وهو خلف قائد واضح معروف، فلا يخدع الناس بالقيادة ولا بالدين، ثم إن القضية ليست قضية إيمان معرفي سلبي مجرد، بل إنه الصراع بين فكرتين وجماعتين وقيادتين، ولا يجوز في حالات الصراع بين الحق والباطل أن يكون ثمة أدنى خلط أو لبس، ومن هنا أيضًا كانت شهادة الدخول في الإسلام تتضمن أن محمدًا رسول الله بعد شهادة أن لا إله إلا الله، أي على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم في الإيمان، وخلفه في الحركة والاتباع.

(فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس) :

إنهم يقسمون بالله: (قد والله نزل بك حذرك) .. فاسم الله تعالى لم يكن مجهولًا لديهم، وكان لديهم شيء من الإيمان لكن هذا الإيمان ليس هو الذي يحرك الحياة، ويوجه الأحياء.

واللافت أن المحيطين بالملك مع أنهم وإياه في ذات المركب، يشاركونه الحذر من الإيمان والحرب ضد المؤمنين، فلم يقولوا قد وقع بنا حذرنا، بل جعلوه كأنه هو الذي تلقى تلك الهزيمة وحده، وربما لمزيد التحريض ضد المؤمنين، أو لأنهم أحسوا بأن الواقع أكبر منهم ومن الملك، ولعلهم قد نفحتهم ريح الإيمان التي هبت على المكان ومن فيه.

إن هذا القول من المحيطين بالملك (أرأيت ما كنت تحذر .. قد والله نزل بك حذرك) ، يظهر المحرك الحقيقي الذي يوجه أكثر سياسات الأنظمة الفرعونية وخططها وسلوكاتها ومكائدها وقراراتها، إن لم يكن جميعها، وهو ألا يصبح الإيمان بالله تعالى أمرًا عامًا وجماعيًا، إنه (الحذر الدائم من إيمان الناس) ، ولذلك يحال بين الدعاة وبين الوصول إليهم، وتشوه صورة الدعاة لديهم، ويلاحقون ويطاردون ويسجنون، وتسجل عليهم حركاتهم وسكناتهم، وتتخذ كل التدابير الوقائية كيلا يقع هذا المحذور، وتُفصّل القوانين لهذه الغاية.

ثم حين يؤمن الناس، ولا بد أن يؤمنوا، وقد أبى الله تعالى إلا أن يظهر دينه ويتم نوره، فإن الفراعنة وأزلامهم يضربون أخماسًا بأسداس، ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود، وتصدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت