الصفحة 28 من 40

"والذين يفسرون مصلحة الدعوة بالحرص على حياة الدعاة فحسب هم أصحاب التصور الناقص الذي لايعدو أن يكون فلسفة للجبن أو للارتداد عن سبيل الله."

"والذين يندفعون إلى الموت برغبتهم النفسية دون اعتبار لمصلحة الدعوة إنما يبددون بذلك الاندفاع والتهور طاقة الدعوة وإمكانياتها."

"وكما أن مصلحة الدعوة هي الحد الفاصل بين الجبن والشجاعة. فهي أيضًا الحد الفاصل بين الشجاعة والتهور، فالجبن هو عدم الاستعداد للتضحية، والتهور هو التضحية بلاضرورة أو منفعة، والشجاعة هي التضحية الضرورية النافعة، وعلى هذا لم يكن طلب الغلام للنجاة جبنًا ولم تكن عودته إلى الملك تهورًا بل كان في كلا الموقفين شجاعًا حكيمًا."

" (جاء يمشي إلى الملك) .. لم تؤثر محنته على منهجه .. لم يحدث التصرف الذي غالبًا ما يتصرفه بعض الدعاة بعد أن يعيشوا مرحلة من مراحل الخطر .. يخرجون من هذا الخطر وقد قرروا تفاديه في كل مواقفهم .. ويصبح هذا القرار أساسًا في تحديد تصور جديد ومنهج جديد."

"لم يفعل الغلام ذلك بل عاد متمسكًا بمنهجه بصورة كاملة ودقيقة .. عاد إلى نفس النقطة التي كان عليها .. نفس الموقف الذي كان فيه .. موقف المواجهة مع الملك .. فقد تحقق للغلام إمكانية تلك المواجهة فلا يجوز التراجع ولا حتى التأجيل" [1] .

ولاحظ عبارة: (وجاء يمشي إلى الملك) ، ليس فقط بما توحيه من معاني التحدي والاستمرار على طريق الدعوة، بل كذلك ما سيؤديه مجيؤه ماشيًا وعودته سالمًا، بعدما ذهب به رجالات الملك إلى الجبل ثم إلى البحر، في زفة إعلامية، يسير فيها بين جماهير المملكة، من تعزيز معاني بشرية الملك وعجزه، في مقابل قدرة الله تعالى المحيي المميت والشافي، ونصرته للغلام وأحقية الدين الذي يدعو إليه .."فالله الشافي .. والله الكافي .. والله المحيي المميت .. حقائق لم يرددها الغلام كقضايا جدلية وكلامية، ولكنه ذكرها كحقائق نهائية ثابتة في واقع قائم بحيث لا يمكن ردها أو حتى مناقشتها" [2] .

(فدفعه الى نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر. فان رجع عن دينه والا فاقذفوه. فذهبوا به. فقال: اللهم! اكفنيهم بما شئت. فانكفات بهم السفينة فغرقوا. وجاء يمشي الى الملك. فقال له الملك: ما فعل اصحابك؟ قال: كفانيهم الله.) ، هل شك الملك أن الغلام قد أفلت من أصحابه في طريق الجبل، لأنه ذهب"برًا"، ما يعني أنه إن قدر على النجاة في البر فليس بمكنته أن ينجو من البحر؟ أم تراه يظن أن قدرة الله تعالى تتخلف عن الفعل في البحار، حيث يظن هو أن قوة الله تعالى مثل قوتهم وربما أقل وأضعف؟ بل نرى هذا

(1) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.

(2) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت