الصفحة 24 من 40

وثمة هدف آخر من شق الراهب نصفين وهو أن يكون ذلك رادعًا للجليس والغلام، فوضع المنشار على الرأس والبدء بتحريكه، ثم منظر الدم النازل على الوجه والجسم، يكفيان لتراجع من يشاهدون الواقعة عن مبادئهم فضلًا عن تراجع من يقع عليه عملية النشر، لكن الذي جرى في القصة والذي يجري غالبًا إن لم نقل دائمًا، هو أن الشهداء الأوائل هم من يطلقون شرارة إشعال براكين التحدي والثورة ضد الظالمين، ولذلك لم يفلح قتل الراهب في تراجع الجليس أو الراهب.

(ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه) .

يراود الجليس ليرجع عن دينه لكنه يأبي فيشقه الملك مثلما فعل بالراهب، ليتأكد من جديد أن الملك ليس له صاحب ولا قريب، حيث لا يراعي هؤلاء القوم في مؤمن إلا ولا ذمة، فضلًا عن تعلق الموضوع بتهديد نظام الملك.

لقد لاحظنا كيف أن الجليس تحت التعذيب الشديد المتواصل قد دل على الغلام، كما اعترف الغلام تحت الظروف نفسها على الراهب، لكن الضعف عن تحمل السر لا يعني بالضرورة الانهيار الكامل الذي يؤدي بصاحبه إلى ترك الدين والرجوع عنه، ولعل مما ساعد الجليس على الثبات ثبات الراهب واستشهاده قبله، خلافًا لما أراده الملك، حيث تعزز لديه معنى أن الإيمان هو أعز شيء في الحياة، بل إنه أعز من الحياة ذاتها.

كما أن الخارقة التي كانت سبب إيمان الجليس هي عامل آخر في ثباته، ولعل شيئًا من الرغبة في تصحيح الخطأ والتكفير عن الاعتراف مما ساهم في ذلك الثبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت