الصفحة 23 من 40

يستخدمه المستعمرون والطغاة مع المعارضين والمصلحين ودعاة التحرر ورجالات الثورة، إذ يقومون بمراودتهم للتخلي عن مبادئهم وترك العمل مع جماعاتهم وحركاتهم التغييرية، ولا يظنن الثائر أن عدوه سيتوقف عن حربه بعد اعترافه ودلالته على رفاقه، بل هي الخطوة الأولى التي سيتبعها حتمًا الطلب إليه أن يترك رسالته الإصلاحية وتحركه الثوري وغايته في التحرير والاستقلال، ويعود إلى حاله الأول، أو يسقط في براثن الأعداء وليًا من أوليائهم وعونًا لهم على أهله وبني قومه.

إن الهدف النهائي إذن هو الرجوع عن الدين، وما عملية التحقيق وتتبع الخيوط التنظيمية إلا وسائل في الطريق لحصر العناصر التي غردت خارج السرب الملكي ليصار بعد ذلك إلى تخييرها، بين الموت والارتداد عن الدين، إذا صح لنا أن نطلق على هذه العملية تخييرًا.

وكان البدء بالراهب لأنه رأس الدعوة وقائدها والقدوة المفترضة للغلام والجليس، فإذا حدث وارتد فما أيسر أن يرتد الذين وراءه، وإن لم يفعل وقُتل فإن الملك يتوقع أو يتمنى أن يكون في ذلك تخويف وإرهاب لأتباعه.

إن وضع المنشار على الرأس والبدء بتحريكه ومنظر الدم النازل على الوجه، والجسم يكفي لتراجع الكثير عن مبادئهم وهذا يبين مقدار إيمان الراهب وأمثاله.

كما أنه في الوقت نفسه يدل على شدة نقمة وحقد الملك وجماعته ذلك أن الشخص الذي يُنشر رأسه لا تلبث روحه أن تفارق جسده بمجرد أن يصل المنشار إلى الدماغ بعد اختراق الجمجمة فما الداعي إذن للاستمرار في الشق بالمنشار حتى يقع شقا الرجل؟

إنه يدل أولا على شدة إجرام الطغاة الكفرة، وخلو قلوبهم من أي نزعة إنسانية.

كما يظهر هذا السلوك الإجرامي عمق حقدهم على الإيمان وأهله، وهو ما يعبر عنه قوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا يؤمنوا بالله العزيز الحميد) ، إنها مشاعر الانتقام من جماعة كل جريمتهم أنهم آمنوا بالله ورفضوا الخضوع للطغاة المتألهين، حيث ملأ إيمانهم بالعزيز قلوبهم عزة وكرامة وأنفة وإباء، ولم يجدوا صفات الكمال إلا عند ربهم الحميد فرفضوا إسباغها على غيره سبحانه.

البداية كانت مع الراهب، فهو معلم الدعوة وقائدها الأصلي، ولعل الملك يرجو من وراء البدء به أن يرجع برجوعه عن الدين كل من الغلام والجليس وكل من آمن أو سيؤمن بدينه، لكن هذا الرجل العقائدي صاحب مبدأ، وحسبك أنه"راهب"ما يعني أن عمق صلته بالله تعالى، وطول تبتله بين يدي ربه تعالى، عاملان في الثبات والصمود، وهو يدرك حساسية موقعه وكونه القائد والقدوة والمعلم، ولن يقبل لنفسه التراجع عن دينه حتى ولو بالتقية، سيما وأنه لا يُقبل من الرموز والقدوات ما يمكن أن يقبل من المؤمنين العاديين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت