الاعتراف بالحق فيفسرونه بأي شيء غير الحق، وهذا ما فعله فرعون لما هزمه موسى فقال: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:71] " [1] ."
لقد تابع الغلام الجليس بالإقرار بالإيمان أمام الملك، ما يعني أن هذا الإعلان لم يكن سلوكًا اضطراريًا فهو من جهة ضمن الخطة وهو من جهة أخرى تقدير الله تعالى لدعوته، ثم إنه ليس بوسع قائد الدعوة أن يتخفى أو أن يخفي دعوته وقد جاءته الفرصة تسعى إليه سعيًا بل تطير طيرانًا.
(فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فجيء بالمئشار فوضع في مفرق رأسه حتى وقع شقاه) :
لقد وقع ما حذر منه الراهب وانكشفت كل خيوط التنظيم حيث قد تبين للملك أن الراهب هو آخر حلقات التنظيم سواء بتعذيبه أم بالتحليل.
إن التنظيم والعمل السري مهما كان محكمًا فليس عصيًا على الانكشاف؛ فوسائل الأنظمة وأجهزتها في التحري والمتابعة والتحقيق والتعذيب لا يكاد يصمد أمامها سر ولا تنظيم، كما أن الضعف البشري والخطأ البشري عند كل المستويات وارد ومتوقع، وإن الاعتراف على هذا ممكن جدًا وليس غريبًا ولا مستحيلًا، وهو لا يعني، بالضرورة ضعف الإيمان ولا نقصان الثقة في صاحبه، بل لقد سمعنا أن إحدى الحركات المجاهدة كانت تطلب إلى أعضائها إذا أُلقي القبض على أحدهم أن يصبر لمدة أربع وعشرين ساعة فقط حتى تأخذ الحركة احتياطاتها وتدبر أمرها، وذلك من شدة التعذيب الذي يمارسه النظام.
إن الأصل والهدف هو عدم الاعتراف وكشف أوراق التنظيم وهتك أسراره، كما أن الأصل أن يُعدّ الأعضاء، ومن قبلهم القيادات، على التحمل والصبر ومواجهة أساليب التحقيق، وكذلك اتخاذ التدابير الاحتياطية في العمل والحركة والاجتماعات لمنع الانكشاف، وللحركات في الظروف الصعبة طرائق في العمل واللقاء والتواصل غاية في السرية والحذر، لكن مع كل ذلك فليس غريبًا انكشاف الأسرار وحلقات التنظيم، وقد رأينا كيف لحق فرعون بموسى مع أنه خرج بقومه سرًا، كما أن قريشًا قد وصلت غار ثور مع كل الاحتياطات النبوية.
(ارجع عن دينك)
إن الهدف من الحملة ومن التعذيب هو رجوع المؤمنين عن دينهم، وما حملات التغذيب إلا وسائل ومقدمات لحصر المؤمنين وتحديد أشخاصهم وأعدادهم تمهيدًا لردهم عن دينهم أو إبادتهم وبالتالي إبادة الدين الذي يحملون، كما يظن الطغاة المتألهون، وهو النهج نفسه الذي
(1) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.