الصفحة 19 من 40

(ربي وربك الله) :

الله خالقي وخالقك، المنعم عليّ وعليك، والملك لم يكن ينكر وجود الله تعالى، ولذلك لم يسأله من هو الله؟ ولم يقل له أين الله، وقلّ من يوجد في الواقع والتاريخ من ينكر وجود الله تعالى أو يجادل في الخالق سبحانه، وهذا القليل في مراحل متناثرة من التاريخ منها ما كان بعد انتشار الشيوعية في العصور المتأخرة، أو من أطلق عليهم الزنادقة في بعض عصور التاريخ الإسلامي، أو غيره، وهم في إنكارهم مكابرون لا جاهلون.

ربي وربك الله ... لست الرب، أيها الملك، فأنت مثلي وأنا مثلك، أنا وأنت عبدان لله الواحد القهار، إنها كلمة السر إذن في حرب الفراعنة والطغاة، ضد الدين، ضد التوحيد، ضد الإيمان الحق؛ فالملوك يريدون أن يتألهوا على الناس ويتسلطوا على رقابهم، يملكوهم ويملكوا الأرض التي يحكمونها بكل ما عليها ومن عليها استعبادًا وتسخيرًا، ولذلك فالحرب الشعواء الضروس سببها أن المؤمنين الموحدين يرفعون رؤوسهم أمام الفراعنة المتألهين ويصرخون في وجوههم أننا وإياكم عبيد لله تعالى.

(فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام) :

فأولًا تتجلى شدة قسوة النظام الكافر، وأنه لا يهمه أحد مهما كان قربه منه، فهذا الرجل جليس للملك أي أنه ليس فقط مجرد مسؤول كبير من أعوان الملك وأركان حكمه، بل هو إلى ذلك يكثر الجلوس إلى الملك، ما يعني أن الملك يكثر مجالسته ويستريح إليه ويكثر استشارته لكونه يستفيد منه، لكن ذلك كله لم يكن ليشفع له، فعندما ذكر للملك بأن الله تعالى هو ربه ورب الملك لم يحتمل ذلك منه فأوقع عليه أشد العقاب.

ترى هل تسرع الجليس بإعلان إيمانه أمام الملك وتحديه بأن الله ربهما جميعاَ، أوَما كان يسع الجليس التعريض والمداورة؟

أرى، والله أعلم، أن هذا الأمر قد تم بوعي وفهم وبتنسيق مشترك بين الجليس والغلام، ونحن لا نتحدث عن شخص مغامر فالجليس يفترض فيه أنه رجل سياسي محنك ويدرك خطورة أن يكلم الملك بهذه الطريقة، ومعنى ذهابه إلى الملك أنه ذهب قاصدًا إيصال الدين إليه وتحديه به كأنما قد حان وقت: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) .

لقد أخذت الدعوة حظها من التحرك بين الجماهير، وصار لزامًا أن تواجه الفراعنة فهم السدود والحواجز المانعة من إيمان الناس، ثم إن من حق الملك وكبراء الدولة على الدعاة أن يبلغوهم دين الله فلعل أحدهم أن يتذكر أو يخشى، فيؤمن بإيمانه خلق كثير، وإلا فقد قامت عليه الحجة، ولم يبق له عذر أمام الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت