الصفحة 20 من 40

"ويجب ألا يمنع الاستضعاف ضرورة المواجهة بين الدعوة والحكم الظالم وليس في تلك المواجهة دون اعتبار للإمكانيات المادية - أي تهور، ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيد الشهداء من يقوم إلى حاكم ظالم يأمره وينهاه، وهو يعلم أنه سيقتله فقال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله) لأنه أكد مايؤكده الشهداء بقتالهم الكافرين أصحاب القوة والسلطان ويزيد عليهم أن الشهداء كانوا يقاتلون باحتمال النصر أو الشهادة، وهو يواجه باحتمال واحد وهو الشهادة" [1] .

كان العذاب شديدًا وقاسيًا ومستمرًا وفوق قدرته على الاحتمال، والجليس بقدر ما كان معنيًا بإعلان إيمانه، فإنه وفي الوقت ذاته كان حريصًا على عدم الكشف عمن علّمه الإيمان والتوحيد، وإلا لكان اعترف به دون حاجة إلى كل هذا التعذيب، هذا يعني أن الغلام قد أوصى الجليس بما أوصاه الراهب ألا يدل عليه إذا ابتلي، وبعض العاملين للإسلام قد يصفون هذه الحالة بأنها: علانية الدعوة وسرية التنظيم.

ويلفت الانتباه هنا: الاستمرار بالنشر حتى يسقط شقا الراهب والجليس، ذلك أن الشخص لا يلبث أن يموت بعيد وصول المنشار إلى دماغه، فلماذا يستمر النشر حتى النهاية؟

إنه الحقد الشديد على أهل الإيمان، مصداق قوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) ، حيث إن إيمانهم بالله العزيز الحميد، يجعل رؤوسهم في السماء، فيرفضون المذلة، ويستعلون بإيمانهم، ويأبون الخضوع لأمثالهم من العبيد، فيغتاظ منهم الطغاة المتألهون، والذين فقدوا كل معاني الإنسانية، وصاروا إلى التوحش أقرب، فلم يبالوا أن يشقوا المؤمنين بالمناشير أو أن يحرّقوهم بالأخاديد.

(1) اصحاب الأخدود، رفاعي سرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت