الصفحة 18 من 40

(إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى) : الإخلاص لله تعالى، وعدم تقديس الذات، ومن جهة أخرى تعزيز عقيدة أن الشافي هو الله تعالى وحده (وإذا مرضت فهو يشفين) ، إن الغلام"يداوي"لكن الشافي هو الله تعالى وحده.

(فآمن بالله فشفاه الله) : وكأنه لصدقه وإخلاصه في إيمانه شفاه الله تعالى حتى قبل أن يدعو له الغلام بالشفاء، وتأكيدًا على حقيقة أن الشفاء فقط بيد الله تعالى.

وتفيد هذه القصة مثل ما أفادت قصة سحرة فرعون ألا نيأس من إمكانية هداية الناس مهما بلغ عداؤهم للدين أو قربهم من الطغاة، لا بل حتى الفراعنة أنفسهم فإن الدين قد جاء لينقذهم من شرور أنفسهم، لقد آمن الغلام الذي أُعد ليكون ساحر الملك، ومن بعده آمن جليس الملك.

هل يجوز اشتراط الإيمان قبل العلاج؟

أولًا: لقد آمن الغلام نفسه دون خارقة ودون"جائزة"، كل ما هنالك أنه سمع كلام الراهب فأعجبه، وأغلب الظن أن الغلام قد تحرك في الناس بالطريقة ذاتها التي كانت سبب إيمانه، ولكن مداواة الناس كانت مهمة كي تسهل تحركه بينهم وتكون العلاجات الخارقة دليلًا على صدقه عند من يحتاجون إلى أدلة مادية، وكذلك فإن الخوارق مهمة لشدة طغيان النظام، فيحتاج المؤمنون إلى ما يثبت إيمانهم في مواجهة شدة بطش الملك وجبروته وتفننه في تعذيب المؤمنين، وحالة الجليس بما فيها من علاج خارق للعمى بمجرد الإيمان تؤكد أهمية الخارقة في تحمل وتقبل التعذيب ومن بعده القتل.

وبالتالي فليس في هذا الموقف دليل لمن قد يظن أن بإمكانه اشتراط إيمان الناس، حتى يقدم لهم ما يحتاجونه من غذاء وعلاج أو أية معونات أخرى، ولم يكن هذا أسلوب المسلمين في الدعوة قديمًا ولا حديثًا.

(فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام) :

حضر الجليس عند الملك دون قائد ولا عصا، وجلس إليه كما كان يفعل قبل أن يصاب بالعمى، وكان من الطبيعي أن يسأل الملك هذا الجليس: من رد عليك بصرك؟ أي طبيب نطاسي بارع ذاك الذي أعاد إليك بصرك؟ فقال الجليس ربي، فيسارع الملك مستهجنا هذا الكلام: أولك رب غيري؟

الملك يقول: إن كل خير يأتيك أو يأتي غيرك في المملكة، مباشرًا كان أو غير مباشر، فأنا وراءه وأنا ربكم وهذا يقتضي أن أكون أنا إلهكم ومعبودكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت