"فطبيعة التلقي لهذا الدين هي التي تحدد طبيعة اعتناقه والالتزام به والدعوة إليه، والذين يتلقون هذا الدين على أنه بلاء، هم الذين يبقون إلى النهاية، وأخذ هذا الدين بقوة هو ضمان الاستمرار عليه."
"وبذلك أراد الله تبارك وتعالى أن يتفق تكوين هذا الغلام مع طبيعة الدعوة وأن لا تشذ شخصيته عن تكاليفها فابتلاه الله في لحظات التكوين ووقت النمو وفترة التربية فصدق وصبر [1] ".
(فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس) :
والسؤال الذي يتبادر: هل كان أمر الساحر ليختلط على الغلام حتى إنه ليشك أي الرجلين أفضل؟ بل أيهما أمره أحب إلى الله تعالى؟
من الواضح أن الساحر كان يزيف وعي الغلام مقنعًا إياه بأن الملك ونظامه هو الحق والخير وأن ما عداه وما خالفه شر وباطل، لا بل إنه، وكما يستفاد من النص، يسعى إلى إقناع الغلام بأن الملك أحب وأقرب إلى الله تعالى ودينه، وهي التي فيها مصلحة الناس، ما يعني أن مهمة الغلام في خدمة الملك وتثبيت أركان حكمه وتزييف وعي الجماهير هي مهمة مقدسة.
ونحن نلاحظ حرص الأنظمة المعاصرة مثلًا على التستر بالدين، وادعاء الانتساب إليه، وأنهم نسل أنبيائه، ودعاة دينه، ومطبقو شرعه، وحماة مقدساته، وخُدام مساجده ... والتركيز على أن معارضي هذه الأنظمة، وبالذات الدعاة الحقيقيون، هم أعداء الدين المتسترون به، وهم أهل التطرف والإرهاب.
إن هذا الاختلاط لدى الغلام بسبب تزييف الساحر لا يعني أنه كان محتارًا، بل كان الراجح لديه والأقرب إلى قلبه ومشاعره، فضلًا عن عقله، هو الراهب، وهذا ما نلحظه في دعائه، فإنه قال: (اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة) ، ولم يقل العكس: اللهم إن كان أمر الساحر أحب إليك من أمر الراهب، فالأقرب إلى حب الله تعالى، كما يترجح لدى الغلام، هو أمر الراهب، ولذلك فالموضوع كما يبدو هو من قبيل: ولكن ليطمئن قلبي.
(1) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.