إن"الغلام يشتكي إلى الراهب هذا البلاء شكوى الذي يعاني من مشكلة تعوق انطلاقه واستمراره، ولم تكن شكوى الذي يقدم المعاذير ليتخلى ويتراجع، والحاسة السليمة للدعاة هي التي تكشف علة أي شكوى" [1] .
كان الكلام السابق أن الغلام يأتي الراهب وهو ذاهب إلى الساحر لكن قول الراهب للغلام: (وإذا خشيت أهلك) يعني أن الساحر قد قرر أن يبدأ، أو أنه كان قد بدأ فعلًا، بمزيد من اللقاءات التربوية التثقيفية للغلام لمضاعفة الجرعة ولمسح وإزالة آثار تعليم الساحر والرد على باطله.
أما لماذا يخاف أهله، وهل تراهم يشكلون خطرًا حقيقيًا على الغلام والدعوة والاستمرار؟ إن الأهل وإن لم يكونوا بالضرورة أعداء للغلام، فإن حرصهم على ابنهم وخوفهم عليه وعلى أنفسهم من النظام، يجعلهم في غاية الحرص على عدم الاصطدام بالنظام أو التعرض لعقوبته ولذلك لن يقبلوا بلقاء ابنهم بالراهب.
لماذا يطلب الراهب من الغلام أن يكذب؟ الكذب هنا جائز بل هو إلى الوجوب أقرب، حرصًا على الدعوة والدعاة أيضًا من الأعداء، لكن"ليحذر كل من يمارس الدعوة من الخروج عن حدود النصوص التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب حتى لا تتسرب تلك الصفة إلى طبيعته فيكتب عند الله كذابًا ويفقد أقوى إمكانيات التأثير على الناس إذ إن الثقة في الداعية هي باب الإيمان بالدعوة وأساس التحرك فيها ولهذا فإن أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته كانت لتأكيد أساس الثقة فيه فقال: (هل إذا قلت لكم إن الجيش مصبحكم. هل تصدقوني قالوا: نعم لأننا لم نجرب عليك كذبًا قط قال: إني نذير بين يديّ عذاب شديد) " [2] .
وهذا يدل أيضًا على أن الراهب حريص على ألا يتعرض الغلام في بداياته، وهو يمثل فسيلة ضعيفة، للرياح العاتية التي يخشى أن تقتلعها وتقتلع معها اليد الغارسة لها، كي تنمو وتكبر بهدوء، مع أنه في الواقع قد بدأ يلاقي مستوى معينا ً من البلاء؛"وهذا الضرب يمثل بالنسية للغلام بلاءً وامتحانًا إذا راعينا أنه غلام صغير. ولكن الله تبارك وتعالى يريد أن يتربى هذا الغلام - من البداية - تربية حقيقية كاملة ويريد أن يكون ارتباطه بالدعوة متفقًا مع طبيعتها لأن هذا الغلام سيكون منطلقًا أساسيًا لتلك الدعوة، وسيكون دليل الناس إليها ... لذا كان لابد من أن يكون شخصية متكاملة بمعنى التكامل الشخصي للدعاة والذي لا يتحقق ولا يتم إلا بالاستعداد للبلاء والصبر عليه عندما يقع."
(1) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.
(2) رفاعي سرور، أصحاب الأخدود.