(حتى يمضي الناس) : إن المحك الحقيقي والمصداقية لأي فكرة أو مبدأ ليس مقدار ما فيه من البهرجة وحسن الصياغة والبلاغة، بل بأثرها وواقعيتها وفاعليتها وإيجابيتها في حياة الناس، وقدرتها على معالجة مشكلاتهم وقضاياهم، وكذلك الأمر بالنسبة لحَمَلة الدعوة فإن عنوان صدقهم وإخلاصهم وبرهان مشروعيتهم، هو تبنيهم لقضايا الناس والسعي لحل مشاكلهم وانغماسهم في الجماهير، وليس مجرد التنظير. لقد جمع الغلام بين قضيتين متلازمتين: الفكرة ومَن يحملها، حيث أراد أولًا أن يستيقن أي الرجلين أفضل الساحر أم الراهب، وكذلك أي الفكرتين والطريقين أحب إلى الله: أمر الراهب أو أمر الساحر.
ومما يستوقف هنا حديث الغلام عن (أمر الراهب) و (أمر الساحر) ، والأمر في اللغة الشيء الخطير العظيم الشأن، فالغلام يعي ويدرك تمامًا أن ما يسمعه من الساحر، وكذلك ما يسمعه من الراهب، أمران عظيمان شأنهما خطير، وهذا بالطبع لأن العمل لدى الملك لتثبيت نظامه ليس بالأمر العادي، ومثله بل أعظم منه وأخطر، الدين الذي يتعلمه من الراهب، ودعوة التوحيد التي يراد تحرير الناس، ولذلك فإن الغلام لم يكن يريد قتل الدابة لمجرد القتل، ولكن ليتيقن من أحقية أمر الراهب من جهة، ومن جهة أخرى لأنه معنيُّ بإنقاذ الناس.
(فرماها فقتلها ومضى الناس) لقد مضى الناس وهم بالتأكيد ينظرون إلى هذا الغلام نظرة إكبار وإعجاب وحب وتقدير، وكانت بداية لفت الأنظار إليه ليس باعتباره الساحر القادم للملك، بل باعتباره منقذًا للناس من خطر عظيم داهم، حيث أزاح عن كاهل الجماهير همًا ثقيلًا، وفي بعض روايات الحديث:"فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغلام، ففزع الناس إليه، وقالوا: قد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد".