كالمداوي جراحه، يصبر على مرارة الدواء؛ لما يرجو من العافية، ويخاف من سوء عاقبة الدار.
والدنيا -وايم الله يا أمير المؤمنين- حلمٌ، والآخرة يقظةٌ، والمتوسط بينهما الموت، والعباد في أضغاث أحلامٍ، وإني قائلٌ لك يا أمير المؤمنين مما قال الحكيم:
وإن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ ... وإلا فإني لا إخالك ناجيًا
ولما وصل كتابه إلى عمر بن عبد العزيز، بكى وانتحب حتى رحمه من كان عنده، وقال: يرحم الله الحسن؛ فإنه لا يزال يوقظنا من الرقدة، وينبهنا من الغفلة، ولله هو من مشفقٍ ما أنصحه! وواعظٍ ما أصدقه وأفصحه!.
وكتب إليه عمر بن عبد العزيز: وصلت مواعظك النافعة، فأشفيت بها، ولقد وصفت الدنيا بصفتها، والعاقل من كان فيها على وجلٍ، فكأن كل من كتب عليه الموت من أهله قد مات، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل كتابه إلى الحسن قال: لله أمير المؤمنين من قائل حقًا، وقابل وعظًا، لقد أعظم الله -عز وجل- بولايته المنة، ورحم بسلطانه الأمة، وجعله بركةً ورحمةً.
وكتب إليه:
أما بعد فإن الهول الأعظم، والأمر المطلوب، أمامك، ولا بد من مشاهدتك ذلك، إما بنجاةٍ أو بعطبٍ.
وكتب إليه -رحمة الله عليه-: احذر يا أمير المؤمنين أن تكون فيما