واعلم أن حكيمًا قال:
أين الملوك التي عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى.
لقد حدثت أيها الأمير عن بعض الصالحين أنه كان يقول: كفى المرء جنايةً أن يكون للخونة أمينًا، وعلى أعمالهم معينًا.
وقيل لآخر فقيرٍ: ألا تذهب إلى السلاطين، فتصيب من خيرهم؟ فقال: نعوذ بالله مما يكره تعالى، لأن أموت مؤمنًا مهزولًا؛ أحب إلي من أن أموت منافقًا سمينًا.
وأحضر ابن هبيرة الحسن والشعبي، فقال لهما: أصلحكما الله، إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلي كتبًا، أعرف في تنفيذها الهلكة، فأخاف إن أطعته غضب الله، وإن عصيته، لم آمن سطوته، فما تريان لي؟ فقال الحسن للشعبي: يا أبا عمرو! أجب الأمير، فرفق له في القول، وانحط في هوى ابن هبيرة.
وكان ابن هبيرة لا يستشفي دون أن يسمع قول الحسن، فقال: قل ما عندك يا أبا سعيدٍ، فقال الحسن: أوليس قد قال الشعبي؟ فقال ابن هبيرة: ما تقول أنت؟ فقال: أقول -والله- يوشك أن ينزل بك ملكٌ من ملائكة الله، فظٌ غليظٌ لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، فلا يغني عنك ابن عبد الملك شيئًا، فبكى عمر بن هبيرة