وقال في موضع آخر: وما قط قصد الشارع أن تكون خطبة الجمعة فصيدة محشوة بألقاب الإطراء والتعظيم ، وارتكاب الكذب على خد قولهم ( أعذب الشعر أكذبه ) ، ولا دورًا أو موالًا يتوخى فيه حسن الإيقاع وموافقة أصول الأنغام ، وتكون للأمة بمثابة ( نشيدٍ وطني ) كما عند سائر الأمم ((1156) انظر: مجلة المنار ( 9 / 617) .1156) . اهـ .
وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن من الأشياء التي اشتهر بها خطباء بني أمية على وجه الذم والكراهة هي المبالغة والإغراق ؛ لكثرة النفاق ، والخداع والملق والمدح ، فإن هذه الأمور يكون صوت الصدق فيها خافتًا ، وصوت الكذب عاليًا ، والمبالغات والغلو ترد من أبواب الكذب ، حيث تختفي الصراحة ، هذا إلى أن تسابق الخطباء في مدح الخلفاء جعل كلًا يجتهد في المعاني ، والغوص فيها ، ليصلوا إلى قصب السبق قبل غيرهم ، وذلك يدفعهم حتمًا إلى الإغراق . اقرأ خطبة عمرو بن سعيد التي مدح فيها يزيد بن معاوية عند العهد له ، فقد جاء فيها: أما بعدلا ، فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه ، وأجل تأمنونه ، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم ، وإن افتقرتم لذات يده أغناكم ، جذع قارح سوبق فسبق ، وموجد فمجد ، وقورع ففاز سهمه ، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه ((1157) انظر: الخطابة لمحمد أبي زهرة ص ( 308 ) . 1157) . اهـ
قلت: وقد يستأنس لأصحاب هذا الرأي بما رواه الترمذي في جامعه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الحياء والعيُّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ) )قال الترمذي عن البيان الذي في الحديث: هو كثرة الكلام ، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيتوسعون في الكلام ، ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله ((1158) انظر: جامع الترمذي ، كتاب البر حديث رقم ( 2027 ) . 1158) . اهـ .