نستطيع تشخيص المرض وإيجاد الحل والشفاء, كان لأبناء الأمة مساهمة في تضعيفها بدءً من مصر والجزيرة والأردن وغيرها, وظهرت الدول وسميت بأسماء قومية وجمهوريات ومملكات بأسماء أشخاص, وكل هذه الأمور لا صلة لها بشرع الرحمن وسميت بممالك آل فلان وآل علان, وكأن أرض محمد صلى الله عليه وسلم ملك لأباءهم, وسميت أرض فلسطين بالمملكة الهاشمية واستلمها أقرباء محمد صلى الله عليه وسلم من الهاشمين الذين تحالفوا مع البريطانيين, وفروا من الحجاز طلبا للملك, ولم ينهجوا نهج الحسن ابن علي رضي الله عنهما, في عدم زج المسلمين في اقتتال بينهم أو تنافس دنيوي, وفتحوا أبواب المؤامرات لليهود كي يتمكنوا فيما بعد من تأسيس دولتهم, وظهرت الجمهوريات في كل مكان, وقدّست النسور والإعلام وظهر النشيد الوطني وأصبح الولاء للملك وللعلم وللشعار, أما القدس الشريف مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصبح تحت الوصايا البريطانية الكافرة, وأريد أن أقول لمن ظن بأن اسقاط الدولة العثمانية سيجلب الخير للبلاد أنهم قد أخطأوا في حساباتهم, فمنذ ذلك الحين أصبحنا شراذمه, وقسّمنا إلى مئات الأجزاء وكل واحد منا رضي بما قسم له من قبل الساسة الصهاينة في عملية سايكس بيكو واجتهد المستعمر في تكريس الاستعمار وتدريب القادة الجدد على المبادئ العلمانية التي ستهدم تماما بقايا الأخلاق الإسلامية في خطة مجهزة لإبعاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن قرآنها.
هكذا باختصار بدأت المأساة بإسقاط الخلافة الإسلامية, فأصبحت الحركة بين بقاع الإسلام محدودة, ففي الأول كان المرءُ المسلم يتحرك من استنبول إلى مكة المكرمة عبر السكة الحديدية فقد كانت الدولة لها قوة ضاربة في مشارق الأرض ومغاربها, ولم يبق لهذه السكك إلا الآثار فقط, ومادامت الحركة محدودة فمن الطبيعي أن يكون التواصل محدود, ثم اجتهد المستعمر في زرع مفهوم المواطنة وحب الوطن والموت من أجل الوطن, لكنهم في نفس الوقت اعتبروا ديار الإسلام جزءا من ديارهم فاستعمرونا باسم الانتداب, فيجب الولاء والتبعية للملكة ولرؤساء الغرب الكفار بدءً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا, فقد قسمت البقاع الإسلامية إلى مستعمرات فيما بين الغرب الكافر, وهكذا أصبح أجدادنا جنودا في القوات البريطانية والفرنسية والألمانية ونسي الجميع حقيقة الأمر أننا مستعمرون وأن هناك واجب شرعي وفرض عين على كل مسلم لإرجاع الدولة الإسلامية, وإرجاع المسجد الأقصى إلى الأمة, لقد استطاع المستعمر من ابعاد الأمة من موضوع إعادة الدولة.
أثناء كل هذه التطورات ظهر بعض العلماء الذين صمدوا ونادوا بوحدة الأمة أمثال الشيخ حسن البنا, الشيخ محمد ابن عبد الوهاب, يوسف النبهاني وغيرهم, ولكن كما قال الشاعر"لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي", وفي الأثر قال النبي صلى الله عليه وسلم"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى, إن لم تستح فاصنع ما شئت", رواه البخاري. ظهر هؤلاء الإعلام في وقت عصيب وعسير وحاولوا عمل المستحيل ولكن الغرب قد سبقنا بعدة قرون, فهم حتى جهزوا كوادرهم الجدد, فالأمر كان مخطط تخطيطا دقيقا جدا.