فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 413

مطلع الربيع عاد الأسد يتحدث للمرة الثانية عن «نظرية الدومينو» . ففي 2/ 4/2013 أجرت قناة «أولصال» وصحيفة «إيدنليك» التركيتين لقاء معه بثه المكتب الإعلامي في الرئاسة السورية على موقع فيسبوك مساء 5/ 4/2013، وقال فيه: «الكل يعرف أنه إذا حصل في سوريا اضطراب وصل إلى مرحلة التقسيم أو سيطرة القوى الإرهابية في سوريا أو كلتا الحالتين، فلا بد أن ينتقل هذا الوضع إلى الدول المجاورة أولا، وبعدها بتأثير الدومينو إلى دول ربما بعيدة في الشرق الأوسط ويستمر لسنوات وربما لعقود طويلة» . ووجه كلامه إلى القيادة التركية مشيرا إلى أن: «الحكومات ستذهب ولن تبقى إلى الأبد .. علينا ألا نسمح للحكومات والمسؤولين الحمقى منهم وغير الناضجين أن يضربوا هذه العلاقة .. (لكن) المشكلة هي كيف تقنع المسؤولين الأتراك الآن الموجودين في الحكومة - وفي مقدمهم رئيس الحكومة- بأن الحريق في سوريا سيحرق تركيا .. هو لا يرى هذه الحقيقة» .

كل هذه التصريحات تؤكد حقيقتين هما:

الأولى؛ أن عظمة الثورة السورية تكمن في قدرتها على هز النظام الدولي من جذوره بما لم تستطع فعله كل قوى الأمة وجهودها في المائة سنة الماضية. ولعل من يفتش في التراث السياسي الدولي لن يجد تصريحات من هذا النوع أبدا. ومع ذلك ثمة من يتوسل النظام الدولي في الحل والنصرة أو ينزوي كالنعامة في أضيق الحدود بدلا من أن يستغل الظرف الراهن للخروج من الهيمنة أو على الأقل إحداث تغيير ما في معادلات القوة القائمة منذ عشرات السنين.

أما الثانية ففي التأكيد على أن الصراع الدائر بين القوى الدولية هو صراع على النفوذ من جهة وعلى قيادة النظام الدولي من جهة ثانية وليس صراعا على نصرة سوريا أو الأسد. ومن الغبن، إنْ لم يكن من الحماقة والبلاهة وكل التوصيفات المشينة، الاعتقاد بأن الروس والصينيين والإيرانيين يتحملون وزر الدماء والدمار الذي لحق سوريا دون الأمريكيين أو البريطانيين أو الفرنسيين.

وعليه فلا يمكن للنظام الدولي أن ينجح في التلاعب بمصائر الناس ما لم يكن من بين الناس من هو قابل موضوعيا، ومؤهل أخلاقيا، ومفرِّط عقديا، لِأن تمضي الألاعيب حتى نهاياتها. ولا يمكن أن تكون القوى القابلة للامتطاء الدولي، بقطع النظر إنْ كانت إسلامية أو علمانية، إلا من النوع الذي لا يضيره أن يدفع من جيب العقيدة ثمنا لدساتير الحداثة، أو الذي يتخذ من أنهار الدماء مجرى غزيرا للثراء، أو الذي يصر عبثا، منذ بداية الثورة، على المطالبة بالحصول على ما يلزمه من سلاح للإطاحة بالأسد، أو إقامة منطقة حظر جوي أو ممرات آمنة، أو الذي يتعبد الله بالوصاية الغربية على سوريا بحثا عن جيفة يعتقدها غنيمة .. هؤلاء وأمثالهم مؤهلون لارتكاب الموبقات السبع إما مكابرة وجهلا وإما يقينا وإما مصلحة وإما نجاةً وإما بُعْدًا عن التكلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت