فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 413

فمن جهة تبدو هذه التيارات والجماعات متشظية، حتى داخل ما يفترض أنه تيار متجانس. وهذا الأمر ينطبق بالدرجة الأساس على التيارين «السلفي» و «الصوفي» . والأسوأ من هذا أنها تيارات قابلة للانقسام حتى على مستوى الفرد، وليس فقط على مستوى الولاء أو المنهج أو العقيدة!!! فكل فرد «شيخ» صار له منهجه وعقيدته وأتباعه، وكل فرد «درويش» صار له طريقته. ومن جهة أخرى لا تتفق هذه الجماعات والتيارات على مبدأ تطبيق الشريعة!!! فثمة فريق منها كـ «سلفية السعودية» يرى أن الشريعة مطبقة، والدولة دولة «توحيد» ! وفريق آخر آمن بتطبيق الشريعة بدايةً، وصار يتنصل منها نهاية «الإخوان المسلمين» ، وفريق يضع الخلافة على سلم أولوياته «حزب التحرير» ، وفريق آخر لا يضع تطبيق الشريعة في أي اعتبار له «التبليغ والدعوة» وفريق موضوعه العقدي الدفاع عن القبور والأضرحة «الصوفية» ، وهكذا ... .

إذا عاينا المسألة في ضوء التركيبة الاجتماعية وخصائصها، فإن الدعوة إلى تطبيق الشريعة ستواجَه بقوىً مضادة في مستويات ثقافية وسياسية واقتصادية وإثنية متشعبة. وقد لا تبدو الصورة واضحة في المجتمعات قليلة السكان أو البسيطة التركيب. لكن لو أخذنا مثلا دولة بحجم مصر فقد نفاجأ بعشرة ملايين من البشر أو أكثر، يقفون سدا منيعا ضد أية محاولة لتطبيق الشريعة، من صنف العلمانيين، واللبراليين، والزنادقة، والملحدين، والأديان، والفرق، والمخالفين، والخصوم، والجهلة، والضالين، والمجرمين، والمنحرفين ... وأمثالهم. هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن مثل هذه الشرائح أقل أثرا في الدول المتوسطة أو حتى الصغيرة. بل أن قدرتها على السيطرة تكاد تتفوق على مثيلتها في الدول الكبرى، لاسيما وأن عملية السيطرة والتحكم في البلاد سهلة، خاصة وأنها تقع خارج أية مراقبة من أي نوع.

شرائح واسعة من هؤلاء، جميعا، وأمثالهم، ودفاعا عن نمط حياتهم ومصالحهم وأهوائهم، ورفضا لأية قيود عقدية أو اجتماعية أو أخلاقية، باتوا، بعلم أو بجهل، مؤهلين، لمناهضة أية محاولات لفك الارتباط بين العالم الإسلامي و «المركز» ، ومؤهلين لإشاعة ثقافة التحلل الاجتماعي والخلقي، ومؤهلين للتحالف مع «المركز» بكل ثقلهم، ومؤهلين لتخذيل الأمة وإحباطها، ومؤهلين حتى للتآمر والعمالة والخيانة، ومؤهلين للتفريط بالأمة ومصيرها، ومؤهلين لحماية ما يظنون أنها مصالح ومكاسب على حساب مصير الأمة، ومؤهلين لهدم أية محاولة لتطبيق الشريعة كما حصل خاصة في العراق.

ثالثا: «تيارات تطبيق الشريعة

هذه التيارات هي الأكثر تماسكا ووضوحا في أهدافها، إلا أنها متباينة في مناهج العمل. وتتخذ من المصادر الشرعية (القرآن والسنة بفهم السلف) سندا في سعيها لتطبيق الشريعة. لذا فهي تؤمن إيمانا جازما بوجوب الحكم بما أنزل الله. لكنها تفترق فيما بينها على المصادر الفقهية المعاصرة. بمعنى أنها تتحصن بوفرة هائلة من التأصيلات الشرعية، الموثقة بكل الأسانيد اللازمة، لإثبات دعوى تطبيق الشريعة. لكنها تعاني فقرا في الدراسات، الفقهية أو العلمية، المتخصصة وذات الصلة بفقه الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت