فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 413

د. أكرم حجازي

مشكلة الشعوب العربية أنها تتعامل مع نظم أمنية لا نظم سياسية. نظم تستمد مشروعيتها من منظومة سايكس- بيكو دون أية مواربة. أي أنها نظم تعادي العقيدة والدين والتاريخ والحضارة وتحظر على الشعوب أية مشاركة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو علمية خارج رقابتها التامة .. نظم لا تتمتع بأية سيادة تذكر إلا في إطار ما يتيحه لها المركز وما يفرضه عليها من شروط تسمح ببقائها في الحكم. وفي المحصلة ثمة نظم لها وظيفة إدارية يتيمة هي الأمن ولا شيء غير الأمن.

الحصيلة الجوهرية التي لا يختلف عليها عاقلان تؤشر على أن الأمة منذ سايكس - بيكو، التي أنجبت هذه النظم، وإلى يومنا هذا تسير من السيئ إلى الأسوأ .. فلسطين مغتصبة ولمّا تزل .. والعراق تحت حكم الصفويين .. والصومال تفتت ولم يلتئم بعد .. والسودان لم ينج من التقسيم .. ومصر مهددة حتى اللحظة .. والجزائر تحكمها عصابة لصوص ... والقائمة تطول حتى الدول الإسلامية .. الغالبية الساحقة منها دول فاشلة .. متخلفة .. ضعيفة وعاجزة ...

أما النظم فتغلب عليها السمات القمعية .. والدموية .. بل هي نظم متغولة حتى على الفرد، طفلا أو شيخا أو امرأة أو جماعة أو حزبا .. نظم استولت على الدولة وتملكت المجتمع والجماعة والفرد .. مكوناتها ورموزها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، بما فيها قوى المعارضة والمقاومة، ليست سوى انعكاس لمنظومة سايكس - بيكو، ولمواصفات النظم التي ولدت وترعرعت فيها.

باختصار: سايكس - بيكو، كحالة ثقافية ومنظومة اشتغال استعمارية اخطبوطية، أغرقت الأمة في مستنقع من الطغيان والظلم والفساد لم يترك مجالا إلا واستوطن فيه. وكانت النتيجة أمة مشوهة العقيدة .. بلا هوية .. وبلا ثقافة .. وبلا ماض .. وبلا حاضر .. وبلا مستقبل .. وبلا أي طموح أو أمل. هذا الانسداد التام لأي بارقة أمل ما كان من الممكن أن يستمر إلى ما لا نهاية لاسيما وأن الله، عز وجل، جعل من سنة التدافع بين البشر، أحد نواميس الكون التي تسمح باستمرار الحياة بين بني البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت