الواقع أنه ما من تدرج في شريعة اكتملت مثلما أنه ما من تمكين لأمة واقعة تحت «الجبر» . وبالتالي فإن كلا الأطروحتين لا تمتان للحقيقة والواقع بأية صلة، ولا تأخذان الأمر على محمل الجدية بقدر ما تقعان في الأيديولوجيا. فالشريعة هي نمط حياة. وتطبيقها بالكامل يعني أن يكون للأمة أنظمتها التي تعبر عن وجودها الحضاري وهي في حالة الفعل وليس في حالة رد الفعل. بمعنى أن «تطبيق الشريعة» يستدعي استبدال النظم القائمة بنظم خاضعة للشريعة. وهذا يتطلب أن يكون ثمة نظم شرعية، وسياسية وتعليمية واقتصادية وتجارية ومالية وثقافية وإعلامية وقضائية وعسكرية وأمنية، بديلة عن النظم السائدة تحت «الجبر» .
لكن كم من دعاة «تطبيق الشريعة» أو جماعاتها أخذ بعين الاعتبار أن الأمة تعيش منذ مئات السنين الإسلام باعتباره طقوسا وشعائر وليس شرائع وأحكاما؟ وكم منها تساءل: كيف يمكن أن ننتقل بالإسلام والمسلمين من حالة الشعائر إلى حالة الشرائع؟ وما هي حجم العراقيل التي ستعترض عملية الانتقال؟ وما هي البدائل التي ينبغي توفيرها للمجتمع واحتياجاته المرتبطة في العالم، بحيث تمر عملية الانتقال بسلاسة بعيدا عن الفتن والخسائر والصدامات الاجتماعية المحلية فضلا عن التدخلات الدولية والقوى المضادة التي من المرجح أن لها القدرة الفعلية حتى هذه اللحظة على إفشال أية محاولة في الطريق إلى الشريعة؟
فالذي نعرفه أن (1) «تطبيق الشريعة» في «الدولة القومية» أو في أي اجتماع إسلامي، ولو في أقاصي الأرض، سيؤدي، على الأقل، إلى تدخل النظام الدولي عسكريا بصورة مباشرة إذا عجزت القوى المحلية عن التصدي لها. وأن (2) هوية الدولة ونظامها السياسي برمتها علمانية حتى لو كانت بلاد الحرمين، وأن (3) البنية التحتية للدولة القومية علمانية بالكامل سواء في القضاء أو التعليم أو الصحة أو النقل والمواصلات أو العمل أو التجارة ... وأن (4) «الدولة القومية» في مصر مثلا تستورد ما يعادل 70% من سلتها الغذائية والدوائية من الخارج، وأن هناك دول تصل فيها النسبة إلى حدود 85%. وأن (5) نظام العملة المحلية ليس له أية قيمة دولية أو إقليمية في أية مبادلات تجارية أو اقتصادية أو استثمارات وأن (6) نسبة الحداثة في بعض الدول، بحسب مركز بيو للاستطلاعات، وصلت إلى 81% كما هو الحال في تونس وقريبا منها في المغرب فضلا عن لبنان وحتى بعض المدن الخليجية، وأن (7) ثقافة الناس جبرية، وأن (8) نسبة لا بأس بها من المجتمع ستحارب بشراسة، سرا أو علانية، أية محاولة لـ «تطبيق الشريعة» ، وأن هذه النسبة ستبدو خطرة جدا في المجتمعات المعقدة وخاصة في الدول الكثيفة سكانيا، .... .
المسألة هنا لا تتعلق باستشارة الناس أو استرضائهم ليقبلوا بالشريعة، ولا بالإسقاطات التعسفية لبعض الأحاديث في غير مناطات تنزيلها، بل بحال الأمة وزمانها ومكانها وظروفها. إذ لا يصح تجاهل ما راكمته مئات السنين من كوارث، أو ما خلفته من تحولات وتبدلات واختلالات وكأن شيء لم يكن، أو كأن كل شيء متصل لم ينقطع في الزمان ولا في المكان. فهل مجتمع النبوة هو ذاته مجتمع الخلافة أو الملك العاض؟ وهل مجتمعات الأنماط الثلاثة هي مجتمع «الجبر» الذي نعيش!؟ وهل الحكم الشرعي في زمن النبوة كان أسهل منه في زمن الخلافة