فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 413

مع انطلاقة حركة الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر، ومن ثم العلوم الإنسانية، لاسيما علماء الأنثربولوجيا ممن وصفوا بـ «جماعي المعلومات» عن الشعوب، وتدفق هؤلاء على العالم الإسلامي، تَنبَّه المستشرقون إلى حالة العالم الإسلامي هذه. ولاحظوا مدى الجهل المدقع بالعلم والدين، حيث بدا العالم العربي لهم، على وجه الخصوص، وكأنه عاد إلى عاداته وثقافته الشفهية الأولى التي اشتهر بها قبل الإسلام .. وهي ملاحظة تشير إلى فقر مدقع حتى في الشعائر. أما الشرائع فقد كانت شبه غائبة كليا. لذا كان سهلا على المستشرقين أن يمارسوا أكبر عملية خداع للأمة حين روجوا للشريعة لا بوصفها نظام حياة بل نظام عقوبات! ثم اختزلوها إلى نظام حدود، إلى أن وصل الأمر باعتبارها مجرد حدَّيْن هما السرقة والزنا!!! وهنا وقعت الطامة الكبرى، حيث كان الناس يتقبلون الشريعة كطقوس يؤديها كبار السن في أحسن الأحوال، لكن دون أن يترتب على تاركها أية عقوبات مادية أو معنوية أو شرعية. أما مع الطرح الجديد للمستشرقين فقد بدت الشريعة كما لو أنها نظام دموي متوحش وظالم.

كانت المرابط الثقافية بمختلف مكوناتها اللبرالية والعلمانية والماسونية قد استوطنت مبكرا في رحاب الإمبراطورية العثمانية، عبر البعثات التعليمية التي توجهت إلى أوروبا ابتداء من أواخر القرن السابع عشر، كما استوطنت في العالم العربي، أواخر القرن الثامن عشر، انطلاقا من مصر عبر محمد علي باشا وجمال الدين الأفغاني ومخلفاتهما التي وصلت إلى بلاد الشام واستقرت في العاصمة اللبنانية - بيروت. ونجحت الثقافة التغريبة وأدواتها من النخب العلمانية مبكرا في زرع مستوطناتها كدور النشر والترجمة ووسائل الإعلام أو عبر الرموز الثقافية والسياسية والأحزاب العلمانية المحملة بالأيديولوجيات الوافدة.

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل عن معادلة الصراع مع ملل الكفر: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، (البقرة: 217) . هذا الصراع امتد خلال الفترة الواقعة ما بين الملك العاض والوقوع في «الجبر» مع انتهاء الحرب الأولى سنة 1916، وهي فترة زمنية تقدر بنحو 1280 عاما، عدا عن المائة عام الماضية .. صراع مرير انتهى بالأمة إلى هذا الحال. ومع ذلك؛ فمن العجيب أن يظن البعض أن «تطبيق الشريعة» أو بالأصح «إقامة الدين» هو مجرد قرار سياسي يمكن للحاكم أن يوقع عليه كما لو أنه مرسوم ملكي أو جمهوري أو أميري أو سلطاني يعالج قضية وطنية!!! ومن الأعجب أن نجد قوى إسلامية وشخصيات ومفكرين وحتى قوى جهادية تجادل في «تطبيق الشريعة» كما لو أنها مشروع قابل للتطبيق دون دراسات عميقة للغاية تَرْقُب ما حل في الأمة خلال قرون طويلة ومؤلمة.

الذين يتحدثون عن» تدرج «في «تطبيق الشريعة» يمارسون في الواقع عملية هروب صريح، كونهم لا يملكون أصلا موضوعا للتطبيق ولا أدنى آلية أو برنامج موضوعي أو زمني يمكن الاسترشاد به، فضلا عن الاستعمال والفهم الأيديولوجي لمفهوم «التدرج» . أما الذين يحتجون بـ «التمكين» ويعيبون على غيرهم عدم «تطبيق الشريعة» ولو بحد واحد فهم يجهلون أو يتجاهلون حقيقة أنهم واقعون في المحصلة ضحية ما روجه المستشرقون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت