قد يكون أطول وقد يكون أقصر، وأن الخلافة القادمة ستقوم وقد لا تكون بالضرورة على منهاج النبوة. لكن أس المشكلة يكمن في أننا حين نفكر بالشريعة فإننا نستعمل الأنماط الأيديولوجية التي أفرزها «الجبر» ووقعنا فيها. والأسوأ من هذا أننا نلزم أنفسنا بهذا النمط من التفكير حتى لو خالف قناعاتنا وعقائدنا!!
(2) الشريعة
هي كـ «الخلافة» تماما! إذ نادرا ما نقع على نص يتحدث عن الشريعة في ظل «الجبر» ، أو يجيب على أسئلة من نوع: ما هي الشريعة كما نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما هو حالها بالأمس وحالها اليوم؟ وكيف فقدتها الأمة؟ ولماذا اكتفت بالشعائر بديلا عن الشرائع؟ وكيف السبيل إلى إقامة الدين في عالم يخضع بالقوة القاهرة لحكم جبري؟
بداية لا بد من الفصل بين الشريعة عبادةً، لا يصح الإيمان بدونها، وبين الشريعة منهجًا إلى العدالة الاجتماعية. فالمظالم تقع حتى في ظل «تطبيق الشريعة» ، والتاريخ الإسلامي يعج في المظالم. وفي السياقات التي نتحدث عنها لا بد من القول أولا أن أي تطبيق للشريعة لا بد وأن يسبقه فهم عميق للواقع الذي تعيشه الأمة. فمنذ الغزو التتري بدأ العالم الإسلامي يفقد الإسلام «شرائع» ويكتفي به «شعائر» . وقد حدث هذا بسبب الرعب الذي أشاعه التتار ووحشيتهم في التعامل مع المخالفين لاسيما من المشايخ والعلماء الذين انزوى الكثير منهم عن القيام بدوره اتقاءً منهم لشرهم حتى بعد أن دخلوا الإسلام. ولا يخفى القول أن البعض يرى في فرق «الجامية» و «المدخلية» التي تتخذ من «طاعة ولي الأمر» موضوعها العقدي المركزي يُرجع جذورها التاريخية إلى زمن حكم التتار.
الحقيقة الثابتة أن العالم الإسلام كان، في أواخر العهد العباسي، قاب قوسين أو أدنى من السقوط لولا أن تداركه العثمانيون، بتقدير من الله عز وجل، وأخروا سقوطه نحو 400 سنة أخرى. لكن الطبيعة الحربية للإمبراطورية العثمانية، فضلا عن تبنيها الصوفية، لم تؤد إلى إحداث فارق في العودة بالإسلام إلى الشريعة. بل أن العثمانيين نادرا ما أولوا اهتماما بالتعليم الديني، أو ظهر من بينهم مجددين في الدين. وكانت النتيجة أنْ أورثوه العالم الإسلامي الدين كما ورثوه من العباسيين .. مجرد شعائر!! حتى أن الغالبية الساحقة من كتابات المؤرخين للعهد العثماني، فيما اطلعنا عليه من مسائل اقتصادية واجتماعية على وجه التحديد، خلت من الإشارة إلى أي حلال أو حرام فيما يتعلق بالربا الذي وصل حدودا خيالية. بل أن المساجد في قرى بلاد الشام خلت حتى من تطبيق الشعائر، وهجرها المسلمون إلى أن غدا الكثير منها مساحات لتخزين القمح وأوكارا لممارسة الزنا وشرب الخمور!!! وبقي هذا الحال إلى حدود منتصف سبعينات القرن العشرين، إلى أن نمت الجماعات الإسلامية وبدأ الحال يتغير.