بالتأكيد لن يبلغ ملك الأمة ما زوي للرسول صلى الله عليه وسلم من الأرض؛ ولن يبلغ هذا الأمر: «مَا بَلَغَ اللَّيْل وَالنَّهَار» ؛ ولن: «يَتْرُك اللَّه بَيْت مَدَر وَلَا وَبَر إِلَّا أَدْخَلَهُ هَذَا الدِّين بِعِزّ عَزِيزٍ أوْ بِذُلّ ذَلِيلٍ» إلا إذا كان «على منهاج النبوة» . وهنا سر العبارة في الحديث. إذ أن انتشار الدين وبلوغ المُلْك (سلطان الأمة) لا يتحققان إلا إذا عاد الدين نقيا خالصا كما نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه، بعبارة خلدونية، «نشأة مستأنفة» ، إذ ليس من العقل أو الدين أن تكون «خلافة على منهاج النبوة» يبلغ فيها الإسلام «كل وبر ومدر في ظل هذا الحطام الهائل الذي يستوطن الأمة منذ قرون أو في ظل ما أفرزه «الجبر» وأشاعه من أيديولوجيات وفلسفات أو ما نتج في ظله من أحزاب وحركات وجماعات. أي، بمعنى أدق، إذا عاد الإسلام شريعة وليس شعيرة.
فتح رومية
المؤكد أننا عرفنا بداية كل مرحلة، لكن من الذي بمقدوره الإحاطة بنهاية أية مرحلة. فقد استمرت النبوة 23 عاما، والخلافة الراشدة أغلقت على 30 عاما، لكن ما بين بداية الملك العاض إلى حدود انطلاقة الثورات العربية مع نهاية العام 2010 ثمة قرابة 1280 عاما، أما «الحكم الجبري» فقد دخلته الأمة بدء من نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1916، فمن يدري متى ستخرج منه لاسيما وأن التفاوت الزمني في المراحل لا يحتاج إلى بيان؟ وماذا سنجد في هذا التفاوت الزمني الذي لم تعد فيه فترتي النبوة والخلافة الأولى واردتين بعد أن قطعنا في الملك العاض مئات السنين؟ وفي «الجبر» نحو مائة عام؟ وكم سنحتاج من الوقت لو استرشدنا، في التحليل، بسورة «النصر» ، حيث فتح مكة، أو حديث «الفتح» الذي بشر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية ورومية؟
فما بين فتح مكة والتمكين كان هناك وقت طويل للوصول إلى فتح القسطنطينية. فقد فتحت مكة في 20 رمضان سنة 8 للهجرة، وفتحت القسطنطينية ظهر يوم الثلاثاء 20 جمادي الأولى سنة 857 هجرية الموافق 29 مايو / أيار سنة 1453 ميلادية. أي بعد نحو 850 عاما من فتح مكة. وحتى سنة 1434 هجرية الجارية يكون قد مضى على فتح القسطنطينية 577 سنة هجرية. فإذا افترضنا وحدة المسافة الزمنية ما بين فتح القسطنطينية وفتح رومية فمن المفترض أن تفتح رومية بعد نحو 280 سنة هجرية من الآن أو أقل بقليل. لكن إذا افترضنا أنها بحاجة إلى فترة مساوية لفتح مكة فسيكون ثمة فارق بنحو 273 عاما تضاف إلى الـ 280 اللازمة لفتح رومية!!! فهل ثمة مشروع لأية جماعة أو حزب يمكنه أن يصمد لمئات السنين!!!!؟ وهل يعقل أن تعيش الأمة معلقة بحزب أو جماعة تتحدث بصيغة لا أريكم إلا ما أرى ثم تقول هذا من الشريعة؟
لا ريب أن ما قمنا به هو حساب افتراضي، لكنه قد يصح من حيث أن التمكين قد يسبق فتح رومية كما سبق فتح مكة والقسطنطينية من قبل. ومع ذلك فإذا كان من شبه المستحيل التنبؤ بالوقت اللازم لنهاية «الجبر» فمن المستحيل أيضا التنبؤ بالوقت اللازم لبلوغ «التمكين» . أما الثابت الوحيد فهو أننا نعلم يقينا بأن عمر «الجبر»