ورغم أنه كان تحت سقف «التوحيد» ، وتحققت فيه خلافة عمر بن عبد العزيز وفتح القسطنطينية والأندلس وفتوحات عظيمة نشرت الإسلام ووسعت من حدود الدولة الإسلامية في العالم، إلا أنه في ظل الملك العاض ظهرت أيضا الفرق المنحرفة والصراعات الضارية على الحكم وتعرض العالم الإسلامي لغزوات مدمرة كالغزو التتري والحروب الصليبية، وفقد الكثير من أمصاره في أوروبا وآسيا، والأسوأ أن أولى ملامح «الإسلام الشعائري» بدأت تحل محل «الإسلام الشرائعي» ، بل أن الشعائر أخذت في التلاشي تدريجيا حتى أنه لم يعد ثمة فرق كبير أو صغير بين من يقيم شعائره ومن لا يقيمها طالما أن الإيمان بالقول دون العمل يفي بالغرض بحيث يتساوى البر من المسلمين مع الفاجر والفاسق والظالم والعاصي والفاسد والمفسد والقاتل والعميل والخائن وقاطع الطريق ....
إذن ثمة دخن كبير، ناهيك عن مخرجات «الجبر» التي لا تضاهيها أية مخرجات في أية مرحلة سابقة. وفي هذا ما يكفي من القول أن الأمة، بكل مكوناتها، لم تكن في المحصلة «على منهاج النبوة» أبدا، ولمّا تزل كذلك!؟ وإنْ كان ثمة من ينكر هذه المحصلة ويزكي هذه الجماعة الإسلامية أو تلك؛ فعليه أولا أن يزن شرعيا بعبارة «على منهاج النبوة» مفاهيم مثل: «الوسطية» و «التوافق» و «التدرج» و «الديمقراطية» و «الشرعية الدولية» و «الدساتير المعادية للدين» و «جواز ولاية الكافر على المؤمن» و «الولاء والبراء» و «إشاعة الفلسفات الوضعية» و «التغريب» و «الحداثة» و «اللبرالية» و «العلمانية» و «الرأسمالية» أو «فتاوى» أقرب ما تكون إلى «طبيخ النور» [1] ؟
لم يكرر صلى الله عليه وسلم، بعد عبارة «على منهاج النبوة» ، عبارته التي رافقت الأنماط الأربعة من الحكم: «تكون ما شاء الله أن تكون» ! ولا عبارة: «ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها» !! بل فوجئنا بعبارة: «ثم سكت» !!!!!!! ولم يقل ماذا بعد! وهو لا شك سكوت محير يحتاج إلى فقه عميق خاصة وأنه يوحي بأن آخر المراحل سيكون بعدها أمرا ما لا نعرفه أو أنه لن يُقبَل بعدها دينا غير الإسلام. وهنا يحضرنا حديثين للرسول صلى الله عليه وسلم هما (1) حديث «زوي الأرض» و (2) حديث «الوبر والمدر» ، وله وجوه أخرى.
عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْك أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ... » .
وقَالَ الْإِمَام أَحْمَد: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا صَفْوَان حَدَّثَنَا سُلَيْم بْن عَامِر عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «لَيَبْلُغَن هَذَا الْأَمْر مَا بَلَغَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا يَتْرُك اللَّه بَيْت مَدَر وَلَا وَبَر إِلَّا أَدْخَلَهُ هَذَا الدِّين بِعِزّ عَزِيزٍ أوْ بِذُلّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّه بِهِ الْإِسْلَام وَذُلًّا يُذِلّ اللَّه بِهِ الْكُفْر» .
(1) الدورة التاريخية: الإسلام و «طبيخ النَّوَرْ» (2 - 1) ، على موقع المراقب: http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-234.htm