ثانيا: الإسلام ولغة الأيديولوجيا
«الأيديولوجيا» هي أفكار ينتجها البشر في زمان ما ومكان ما. ومن المفترض أنها انعكاس لواقع مهيمن في الزمان والمكان. ومن أعجب وأبلغ تعريفاتها على الإطلاق تلك الآية الكريمة التي وردت في كتاب الله عز وجل: {إِنْ هَاذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ، (المدثر: 25) ! ولأنها كذلك في صميم الصميم فلا تلبث أن تنتهي أو تضمحل أو تنزوي بمجرد زوال الواقع الذي أنتجها. وهذا ينطبق على كافة الفلسفات والأطروحات الوضعية وكل ما أنتجته من أفكار ومفاهيم ومصطلحات وتصورات وبنى ذهنية ومعرفية، أو مادية وسياسية واقتصادية وثقافية وقانونية ومثلها.
في زمن الخلافة الراشدة شهدنا بذرة الخوارج في العهد النبوي تغدو نبتة مثلما شهدنا بذرة التشيع وهو يغدو دينا آخر من {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، لا علاقة له بالإسلام إلا بالنسبة. وفي زمن الملك العاض شهدنا ظهور فرق الأيديولوجيا الدينية كالتشيع بفرقه المتعددة والصوفية بطرقها والمعتزلة والأشعرية والبهائية، رغم تخلي صاحبها عن معتقداته .... ، مثلما شهدنا ظهور فرق الأديان الوضعية الاستعمارية كالقاديانية عشية «الجبر» ، فضلا عن عشرات الفرق الأخرى التي أحدثت في الدين ما ليس منه.
أما في زمن «الجبر» ذاته فقد شهدنا ظهور الجماعات الإسلامية الحديثة كالإخوان المسلمين والتبليغ والدعوة وحزب التحرير وغيرهم. وبدت في لحظاتها الأولى عقدية النشأة قبل أن تجرفها اجتهاداتها إلى أعماق الأيديولوجيا لتستنزفها إلى الحد الذي لم يتبق لها من أطروحاتها إلا ما تحتاجه لتبرر به وجودها. هذا لأنها احتاجت إلى تفعيل جزء محدد في الدين يخدم ظروفا تاريخية معينة، لكنه بدا، مع الزمن، كما لو أنه الدين كله. وبدلا من أن تنتقل إلى طور عقدي يستجيب للظروف والمتغيرات، بحيث تبقى أطروحتها تدور في فلك العقيدة، لجأت إلى التفتيش في الدين عما يدعم الأطروحة الأولى ويعززها ويحافظ على استمراريتها حتى بعد عقود طويلة استدعت تفعيل المزيد من الجوانب العقدية!!! وهذا بالتأكيد فعل أيديولوجي من {قَوْلُ الْبَشَرِ} وليس فعلا عقديا. إذ أن الإسلام لا يمكن أن يكون جامدا لا حياة فيه، مثلما أن التوحيد لا يمكن أن يقبل القسمة أو يتجزأ.
مشكلة القوى الإسلامية ونخبها ورموزها أنهم لا يريدون أن يدركوا أن اختياراتهم الأيديولوجية ستفضي في النهاية إلى الجمود التام أو الدخول في مساومات عقدية تمس صميم عقيدة الولاء والبراء، وتوطئ للمزيد من الاستبداد والتبعية والهيمنة والاستنزاف العقدي والجهل والتضليل واستباحة أصول الدين وديار الإسلام وأهله وتشويه التاريخ الإسلامي، فضلا عن الانتقاص من حقوق المسلمين وتركهم لمصائر وحشية ودموية تحت رحمة قوى الظلم المحلية والعالمية.
ثمة نصوص ومرئيات وسمعيات لا تحصى ولا تعد من الفتاوى والاجتهادات والتصريحات والمواقف العجيبة التي صدرت عن أفراد وجماعات ومشايخ وعلماء ودعاة وحركات وأحزاب. وكلها تحدثت في شأن العامة والدين