فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 413

والماضي والحاضر والمستقبل، لكنها لا تمت للدين بأية صلة تُذكر، ناهيك عن أن تكون متضاربة فيما بينها أو مناقضة لصحيح الدين إنْ لم تكن محاربة له في المحصلة والصميم. وإذا استشهدنا ببعض الأمثلة للتوضيح فسيكون لزاما علينا أن نتساءل، مبدئيا، عن المنزلة الشرعية التي يمكن بمقتضاها تنزيل تصريحات لعلماء شرعيين يعتقدون في تقديم الحرية على التوحيد أو الشريعة أو حتى الاستقلال أو الاثنين معا!؟ أو عن المنزلة الشرعية التي يمكن بمقتضاها تنزيل أقوال أخرى تعتقد بأن القضاء الدولي الوضعي عادل ومنصف!!؟ أو تلك التي تعتقد بصحة ولاية الكافر على المؤمن!؟ أو تلك التي تدعو أو تبرر القتل الوحشي لولي الأمر بدعوى الحفاظ على الأمن؟ أو تلك التي تستميت بالدفاع عن الاستبداد وسائر أنواع الظلم بدعوى الابتعاد عن الفتنة؟ أو تلك التي تتهكم على بعض الصحابة والعلماء وتسخر منهم دفاعا عن شرعية فرقة ما مهددة بالحظر نظرا لانحرافاتها العقدية؟ أو تلك التي تتنكر لأحكام شرعية وأصول عقدية وتسعى إلى حمْل الأمة على معتقداتها!!!؟ أو تلك التي تعترف بالجهاد في زمان ومكان ما ثم تنفيه في ذات المكان وفي زمان آخر، بل وتعتبره قتالا في سبيل الطاغوت!!!!!

أيضا تباينت المواقف الشرعية والعقدية والمنهجية، تحت سقف «الحكم الجبري» ، إلى حد العجب حول «الجهاد» و «الخلافة» و «تطبيق الشريعة» وحتى بعض الشريعة .. وأيضا حول نظم الثقافة والاختلاط ودور المرأة والمعاملات والميراث .. كما تباينت حول مشروعية «الدولة القومية» والنظم السياسية والثورات الشعبية .. وتغافلت عن العلاقات والسلوكيات والتحالفات مع القوى الدولية وقواعدها العسكرية وغزوها للدول الإسلامية .. وتملصت من قضايا الأمة الكبرى كبيت المقدس والتطبيع مع اليهود أو الصلح معهم .. وتجاهلت الأحوال الدامية للمسلمين في تركستان الشرقية وأثيوبيا وكينيا وميانمار ونيجيريا والهند والصين وروسيا وأفريقيا الوسطى وغيرها رغم حرقهم وتقتيلهم وتشريدهم وحتى إنكار وجودهم .. ومن المثير حقا أن نجد القسم الأعظم من الأمة يتحدث عن «الدولة القومية» وكأنها أول المطاف وآخره، حيث لا تاريخ قبلها ولا حضارة ولا دين ولا وجود إلا بها وإلا فالعدم!!!

لذا فإن تنزيل الإسلام بمنزلة الأيديولوجيا أو ما يوازيها هو أخطر ما يمكن أن تتعرض له أية جماعة إسلامية. ففي هذه اللحظة بالذات ستفقد الجماعة أطروحتها بعد أن تكون قد وقعت فعلا، من حيث تدري أو لا تدري، في منزلة الإسلام الأيديولوجي. هؤلاء المشتغلون في الشأن الإسلامي وغيرهم وقعوا في هذه المنزلة لكونهم عجزوا عن التفاعل مع الإسلام وما يتطلبه من استحقاقات شرعية أو عقدية فاضطروا أو أُجبروا على استعماله كمرجعية، لا للتشريع بل، للحصول منه على ما يلزم من خدمات سياسية أو أمنية أو حركية أو حزبية.

والأرجح أن كل الأمة وقعت ضحية نمط من التفكير الأيديولوجي في قراءة التاريخ والدين والعقيدة. والمشكلة العويصة أنه إذا ما استوطنت الأيديولوجيا في العقل، كما هي الآن، فلن يكون سهلا على الأمة أن تدرك نمط «الحكم الجبري» إلا بما تتيحه لغة الشرائع الوضعية المهيمنة، أي لغة الأحزاب والجماعات والحركات والفلسفات والمذاهب الوضعية ومناهجها وبراغماتياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت