فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 413

ولعل أطرف ما حل في العالم العربي ظهور دول لا يزيد عدد السكان فيها، غداة إعلان استقلالها، عن أقل من بضعة عشرات من الآلاف مع مساحة من بضعة مئات أو كذا ألف كيلو متر مربع، بحيث لو وقف أحد ما على طرف الدولة من مرتفع بسيط يمكنه رؤية الطرف الآخر. مع ذلك اتخذت هذه الدول من مجالس شوراها أو شعبها مسميات من نوع» مجلس الشعب «أو» مجلس الأمة «!! واستنبتت لها تاريخا غالبيته الساحقة من وثائق الحكومة البريطانية. وغني عن البيان أن دولا بهذا الحجم لا يمكن أن تتمتع بأية فرصة في الاستمرارية خارج» المركز «الذي أنشأها.

(2) الدين

بما أن الإسلام، في السياسة، هو أصلا نظام حكم أكثر منه دولة، فقد حرص النظام الدولي» الجبري «على انتزاع سلطان الأمة ممثلا بنظام الخلافة انتزاعا بالقوة القاهرة. وفي المقابل أُخضِع إخضاعا تاما لمنظومات القوة الدولية وشرائعها الوضعية. ومن الطبيعي، في ظل الجبر، أن يتم إسقاط الشريعة ليس كمرجعية في الحكم فحسب بل وكنمط حياة. وأكثر من ذلك فقد جرى إشاعة وتعميم الفلسفات والمذاهب الوضعية والشرائع الدنيوية والثقافات المنحطة باعتبارها نتاج إنساني وقيم كونية.

وبدا الدين ونظم التعليم الشائعة متطابقة مع مدخلات» الجبر «تطابقا تاما. وغدا الاعتقاد والعبادة والتفكير والتأهيل والتعليم والثقافة والعمل والتجارة والاقتصاد وكافة أشكال التلقي، حتى في الأحلام والرؤى، خاضعة لما تفرزه ثقافة» الجبر «وعلومه .. تعيش وتنمو وتنتج وتشتغل وتستهلك وتصالح وتعادي وتنام وتصحو بموجب كينونته وأدواته ومناهجه وآلياته المعرفية والذهنية. وتبعا لذلك صار حال الأمة كما قال عز وجل:» كالأنعام بل هم أضل سبيلا «!!! فقد تلقت من الدين ما يوافق» الجبر «ويشرِّع له، وتلقت من العلوم ما يبقيها تحت» الجبر «، وحصلت على التكريم بما جعل من المستبد حكيما، والفاشي القومي بطلا، واللبرالي مسلما، والماركسي شهيدا، والعالم الخائن والملبس جليلا، والإعلامي المرتزق مخضرما، والمجاهد إرهابيا. وبررت قوى» الجبر «العالمية وبعض أدواتها انحطاط الأخلاق والقيم بالحرية، ومظاهر الدعارة بالجرأة، وقدمت العمالة والخيانة بوصفها وجهة نظر، ... وأخيرا جرمت التكفير وبرأت المجرمين عبر ما يسمى بـ» حرية الضمير «كما ورد في الدستور التونسي.

في المحصلة فقد حطم» الجبر «كل المرجعيات الدينية والأخلاقية والقيمية والتاريخية، ولم يعد ثمة مرجعية دينية أو أخلاقية أو قيمية يمكن الاحتكام إليها في فض النزاعات الاجتماعية والخصومات، وتوالى استنزاف المرجعيات حتى قاربت التمايزات الاجتماعية والفضائل على الزوال، وتوحدت الثقافة العدائية ما بين الفئات العمرية لتسير بالمجتمع نحو التصادم الحتمي، بل أن عدوانية المجتمع ظهرت ضد نفسه أكثر مما ظهرت ضد أعدائه وخصومه، سواء في الجامعات والمدارس والأسواق والشوارع والأحياء وحتى المساجد أو بين الأقارب والعائلات والقبائل .. وأكثر من ذلك فقد بدا أن الأمة قابلة للانقسام وخاسرة على كل مستوى إلا من حقوق المستبدين وطوائف الأيديولوجيا والأقليات التي غدت مقدمة على أية حقوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت