ولأن النظام الدولي قابل للتفكك خاصة وأنه أقيم على أنقاض العالم الإسلامي القابل للالتحام، فقد حرص بناته على تحصين نفسه من الانهيار عبر ربطه بثلاثة مرابط في عقر ديار الإسلام. لذا لم يكن عبثا أن يكون:
(1) المربط اليهودي في بيت المقدس، وهو عبارة عن قاعدة عسكرية متقدمة لمنع أي شكل من أشكال الالتحام.
(2) المربط النصيري في الشام، ومهمته احتواء كافة حركات التحرر والتمرد التي ستنشأ ردا على تفكيك العالم الإسلامي والهيمنة.
(3) المربط العقدي المنتشر في كل العالم، حتى لو كان مركزه مهبط الوحي، والذي بموجبه جرى انتزاع الفتوى وتوظيفها في خدمة النظام الدولي وأمنه واستقراره، فضلا عن فرض الوصاية التامة للدولة القومية على الدين.
ثانيا: الوقوع في» الجبر «
ليست الشروط الثلاثة التي عرضناها إلا تعبيرا عن البنية التحتية لـ «الجبر» الذي سيخضع لسلطانه وتشريعاته كل بني البشر. أما العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، فقد استأثر بنصيب الأسد من» الجبر «الذي صُبَّ عليه صبا. فماذا نجد؟
(1) الجغرافيا
أول ما يمكن أن نلاحظه في ظل» الجبر «هو انهيار معادلة الصراع العسكري بين» الكفر «و» الإيمان «، والتي كانت سائدة في أنماط الحكم الثلاثة السابقة (النبوة والخلافة والملك العاض أو العضوض) . فقد كانت وقائع الصراع بين العالم الإسلامي وملل الكفر تجري على الثغور. ورغم خسارة العالم الإسلامي الكثير من الأمصار والحواضر إلا أنه كان يكسب أيضا حتى في قلب أوروبا التي اخترق حصونها الكبرى. لكن بعد الحرب الأولى بات واضحا أن ملل الكفر أطبقت على العالم الإسلامي دفعة واحدة، ولم ينج مَصْرٌ واحد من الهيمنة، مما يعني (1) استحالة إفلات ولو دولة واحدة أو مجتمع إسلامي من المراقبة والسيطرة والتحكم، أو (2) استعادة القدرة على إقامة ملاذ آمن يمكن الانطلاق منه ثانية، أو (3) السعي لامتلاك سلطان العلم والمعرفة أو أية أدوات للقوة خارج السيطرة، لأن التحام العالم الإسلامي تحت نظام الخلافة، وفي ظل العلوم الرقمية مثلا، أمر يثير لدى» المركز «أشد درجات الفزع.
بل أن العالم الإسلامي تعرض مع نهاية الحرب العالمية الأولى إلى تمزيق، سياسي واجتماعي، شديد لم يزل قائما منذ مائة عام تقريبا. فقد قسمت (1) بلاد الشام إلى أربعة دول قومية، و (2) بلاد الترك إلى ستة دول، و (3) الجزيرة العربية إلى سبعة دول، و (4) المغرب العربي إلى خمسة دول، و (5) بلاد الهند إلى ثلاثة دول، و (6) الكرد تم حرمانهم من أي كيان سياسي وتوزيعهم على أربع دول إقليمية كبرى، و (7) بدت مصر، المنزوعة الهوية حتى الآن، حدا فاصلا بين المشرق العربي ومغربه.