لذا لم يكن غريبا، مع هكذا مرجعيات، أن تكون» النازية «و» الفاشية «و» العنصرية «و» الفوضوية «و» الأممية «و» الصهيونية «و» الماسونية «منتجات أصيلة لـ» الفكر القومي «الأوروبي أولا، و لـ» الدولة القومية «ثانيا، وليست بدعا من القول. هذه الحمولة أثبتت مخرجاتها، بالوقائع القاطعة، أنها أشد دموية من» الدولة الدينية «في أوروبا. فـ» الدولة القومية «هي التي قادت حملات الاستكشاف الضخمة في العالم، وهي التي انطلقت في حملات استعمار واستعباد وقهر الشعوب، وهي التي نشطت في عمليات نهب منظمة لثروات الأمم، وهي التي أفرزت قيمها حربين عالميتين، وقنابل ذرية اختُبِرت فاعليتها على البشر، وهي التي أودت بحياة عشرات الملايين من ضحايا الإبادة والحروب والتعذيب، وهي التي زرعت أنظمة الاستبداد ورعتها، فضلا عن تفكيك العالم الإسلامي.
الشرط الثالث: إقامة النظام الدولي
مع اكتشاف المادة والسيطرة عليها والانتقال من صيغة» الدولة الممتدة «إلى صيغة» الدولة القومية «باتت الطريق ممهدة لإقامة نظام دولي يمكِّن أوروبا من تقاسم النفوذ فيما بينها ويسمح بالسيطرة على العالم. وكانت سنة 1824 أولى بواكير النظام الجديد الذي أسسته أوروبا ودعت الدولة العثمانية، بخبث، للانضمام إليه. لكن ما كان على أوروبا أن تدركه، وقد فعلت مبكرا، أن الانتقال من صيغة العلاقات الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية بين الدول، إلى صيغة النظام الدولي لن ترى النور ما لم يتم تفكيك الدولة العثمانية بأية وسيلة، بوصفها آخر وأخطر» الدول الممتدة «والعابرة للقارات، وهو ما كان إلا أن يحصل في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1913 - 1916) .
بدأ تفكيك قلب العالم الإسلامي فعليا ابتداء من أوائل القرن التاسع عشر. فاحتلت فرنسا الجزائر سنة 1832، وتونس سنة 1882، وفي نفس السنة احتلت بريطانيا مصر. وفي سنة 1911 احتلت إيطاليا ليبيا. وتبعا لذلك بدت مصر حاجزا فاصلا بين المغرب العربي ومشرقه.
بعد الحرب العالمية الأولى أقدمت الدول الاستعمارية الأوروبية على إنشاء أول منظمة دولية باسم عصبة الأمم سنة 1919، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 ورثتها هيأة الأمم المتحدة. وضمت سلسلة من المؤسسات العامة والمتخصصة أبرزها مجلس الأمن الذي يضطلع بحسب الميثاق بمهمة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. لكنه في واقع الحال ليس إلا» المركز «الذي يمتلك من أدوات القوة كالعلم والمعرفة (تكنولوجيا التسلح) والعولمة (أدوات الاتصال والإعلام) و مصادر الطاقة (النفط والغاز) والغذاء (الإنتاج الغذائي والدوائي) ما يمكنه من التحكم والسيطرة والرقابة والقدرة على التدخل والحفاظ على امتياز الهيمنة على العالم.