وفي السياق كانت أوروبا أول ميدان في الصراع على» فكرة القومية «التي بدأت كـ» نزعة «تغزوها منذ أواخر القرن 18، إلى أن تبلورت واستقرت كمفهوم على وقع الحروب الدموية والحراك السياسي واللغوي والإرادة العامة في العيش المشترك والاقتصاد وحتى الثقافة والقيم والأيديولوجيا وصولا إلى البايولوجيا التي طبعتها بالطابع التنافسي والعنصري الاستعلائي. وفي النهاية أسفرت عن تفكك الصيغة الإمبراطورية في الاجتماع الإنساني الأوروبي إلى صيغة قومية على شاكلة البريطانيين، السلاف، الألمان، اليهود، .... .
في المحصلة فإذا كانت النشأة التاريخية لـ» الفكر القومي «الأوروبي ليست إلا نتاج أصيل لكل هذه الصراعات والأفكار؛ بما فيها» عصر الأنوار «الذي عج بالفلسفات الوضعية كاللبرالية والعلمانية والعنصرية والمذاهب المادية كالاشتراكية والرأسمالية والماركسية، فإن» الدولة القومية «، لا يمكن أن تكون إلا الابنة الشرعية لهذا» الفكر «، ولأنها قامت على أنقاض» الدولة الدينية «فهي بالضرورة والنشأة معادية للدين بقطع النظر إنْ كان وضعيا أو سماويا، صحيحا أو محرفا. ومع نمو النزعة القومية لم يعد الناس يتعارفون فيما بينهم على خلفية الانتماء الديني، كأن يقال: هذا مسلم وذاك مسيحي أو يهودي أو مجوسي أو بوذي أو هندوسي ... . وتبعا لذلك لا تقيم» الدولة القومية «أي وزن للدين في الحياة العامة، ولا تستعمله إلا كمعطى وظيفي في الحشد الاجتماعي لتحقيق أغراض سياسية أو اجتماعية. بل أننا لن نجد على وجه الأرض دولة واحدة تحكم بموجب الدين. ويشمل ذلك دولة اليهود في فلسطين التي أسسها العلمانيون والملاحدة اليهود بنسبة تزيد عن 80%. ولم تكن اليهودية بحد ذاتها هدفا بقدر ما كانت، ولمّا تزل، مشروعا سياسيا لمنظومة استعمارية صرفة جرى تغطيتها بلباس توراتي مزعوم.
لكن أطرف ما في» الدولة القومية «أنها شابهت الكنيسة في استلهامها لإرث الحضارتين اليونانية والرومانية وحتى المسيحية، ولم تتخل أبدا عن ثنائية» الأسياد «و» العبيد «!! فالنظام الفيودالي الذي ساد أوروبا تحت حكم الكنيسة لم يكن إلا استيحاء، وإلى حد كبير، من الفلسفة الإغريقية ذاتها في تجلياتها» الإفلاطونية «للمجتمع والدولة من جهة، وللعلاقة بين» الأسياد «و» العبيد «من جهة ثانية، حيث لم يكن ثمة» مجتمع «ولا» مواطن «ولا حتى» إنسان «بقدر ما كان هناك» أسياد «و» عبيد «. لذا ليس غريبا أن يقوم النظام الدولي الراهن على ذات الثنائية فيما يسمى زورا بالعصر الديمقراطي والحريات وحقوق الإنسان. ومن يقرأ كتاب أفلاطون المسمى الجمهورية (The city) فضلا عن النظريات العنصرية والوحشية في» مبدأ السكان «و» أصول الاقتصاد السياسي «لروبرت مالتوس (14/ 2/1766 - 23/ 12/1834) و» الأمير «لميكيافيلي (3/ 5/1469 - 21/ 6/1527) سيعلم جيدا حقيقة» الدولة القومية «المتوحشة التي تتغنى بها أوروبا، وتشكل الوحدة السياسية المركزية للنظام الدولي القائم حاليا. ولا يغير من هذه الحقيقة التاريخية الوثيقة الشهيرة التي كتبها فلاسفة التنوير في أعقاب الثورة الفرنسية باسم:» حقوق الإنسان والمواطن «! حيث لم يكن ثمة إنسان ولا مواطن ولا مجتمع في أوروبا. وهي ذات الوثيقة التي أقرتها هيأة الأمم المتحدة في 10/ 1/1948 باسم» الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «!!! إعلانهم ومشكلتهم وليس مشكلة العالم الإسلامي والمسلمين. ولم تصلنا هذه المشاكل إلا لما قامت «الدولة القومية» .