الذي يميز الدول والشعوب فلا شك أن مراكمة الوقت ستبلغ أرقاما فلكية. وبمقارنة بسيطة يمكن القول أن الإنسان في العصر التكنولوجي سار بسرعة الطائرة والصاروخ .. لكنه في العصر الرقمي قد يسير بسرعة الضوء.
(3) وأن أوروبا صارت بحاجة إلى مراكمة ما تحتاجه من ثروات وموارد للاستثمار في العلم والمعرفة، وللصرف على الانطلاقة الصناعية. ولتحقيق ذلك لا بد من انطلاق العربة الاستعمارية بكل وحشيتها باتجاه دول العالم كافة.
(4) وتعني، وهو الأهم، أن أوروبا العقلانية غدت مؤهلة لامتلاك أدوات القوة النوعية التي تمكنها ليس فقط من الوصول إلى أبعد نقطة ترى فيها مصالحها، بل والحفاظ على هذه المصالح سواء كانت موجودة في المكان نفسه أو بعيدة عنه.
ميزة هذا الشرط أن المعرفة والعلم هما بالضرورة امتيازات ومكاسب قيمية ومادية خاصة بقوى الجبر العالمية نفسها، وبالتالي فهي ليست قيما كونية ولا امتيازات قابلة للتقاسم والمشاركة مع البشرية. وتبعا لذلك فلا معنى لأية مفاهيم تتحدث عن وحدة الإنسانية والمساواة والعدالة والتسامح والحرية والديمقراطية ... كأسس بنيوية لاكتساب أدوات القوة وإنتاجها إلا في ذات منظومة الجبر. أما خارج المنظومة فليس ثمة مبرر أو وظيفة لترويجها إلا للاستهلاك البشري وليس للإنتاج.
الشرط الثاني: إقامة» الدولة القومية «
تعتبر بريطانيا، بنظر المؤرخين السياسيين أقدم دولة ظهرت بالمحتوى السياسي المؤسسي الراهن، وقد تشكلت في أعقاب الثورة الإنجليزية (1640 - 1660) في صيغة اتحاد سياسي من إنجلترا وويلز واسكتلندا في 1/ 5/1707. ولأن بريطانيا بروتستانتية فلم تتأثر أوروبا التي تدين غالبيتها بالمذهب الكاثوليكي كثيرا، إلا في أعقاب الثورة الفرنسية سنة 1789.
قبل ولادة» الدولة القومية «كانت أوروبا أشهر ميدان في الصراع بين الفرق الدينية المسيحية التي لعنت بعضها، وكفرت بعضها بعضا، وخاضت حروبا طاحنة فيما بينها لقرون طويلة ومظلمة ودموية؛ فقد كان من الطبيعي أن تتميز أوروبا بكونها ساحة للصراعات الفكرية الناجمة عن هيمنة الكنيسة، باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن نمط الحياة واحتكار التشريع فيما يجوز ولا يجوز. وعلى وقع المعاناة والثمن الباهظ الذي دفعه العلماء من أرواحهم وأجسادهم شق» العقل الوضعي «طريقه إلى الحياة الأوروبية، واستطاع أن يتجاوز المرحلتين» الميتافيزيقية «و» المثالية «ويبلغ المرحلة» الوضعية «.