(3) الهوية
في ظل» الجبر «خسر الاجتماع الإسلامي، على مستوى الفرد والجماعة، وجوده التاريخي كأمة وهوية، وتم استبدالهما بـ» الدولة القومية «بصيغتها السياسية، وفي حمولتها التاريخية ومرجعياتها الأوروبية القائمة على الظلم والاستعباد والعداء المطلق للدين. واستبدلت الحدود العقدية بالحدود الوطنية، والشريعة بالدستور. ولعله من الطريف ملاحظة أن الدولة القائمة حاليا في العالم الإسلامي لا تمت له بأية صلة تذكر لا من قريب ولا من بعيد، وليس لها أية هوية تذكر إلا من التبعية والخضوع لـ» المركز «. فلا هي دولة إسلامية تُعْرَف، ولا هي دولة عربية تُعْرَف، ولا هي وطنية، وكذا الأمر فيما يتعلق بالهوية الأيديولوجية للنظام السياسي؛ فلا هو ماركسي يُعْرَف، ولا هو اشتراكي، أو رأسمالي، أو لبرالي، أو علماني، أو فاشي، أو نازي. ولأنها، دولة ونظام، خاليان من أية هوية أو مرجعية محددة، إلا من كونهما خليطا» أيديولوجيا «أشبه ما يكون بـ» طبيخ النّوَرْ «، فقد جرى التعبير عنهما إعلاميا واجتماعيا وسياسيا وحتى شرعيا بدولة فلان وعلان، ودولة حفظه الله وسدده .. أو دولة أطع ولو جلد ظهرك وأخذ مالك .. أو دولة البطانة الصالحة التي تعينه إذا عزم وتذكره إذا نسي .. وأخيرا دولة البلطجة والشبيحة!!!
إنها باختصار دول» المركز «في أبشع مكوناتها ومرجعياتها وحمولاتها التاريخية وأفعالها وجرائمها ووحشيتها .. وهويتها هويته أصلا وفصلا ومنبتا. أما نظمها السياسية فهي أدوات» الجبر «المؤتمنة عليها. ومع كل هذا تجد من يصفها بـ» دولة القانون «أو من يردد ببلاهة عجيبة ... » وأفتخر «!!!!!
وبحسب» أيديولوجيا النّوَرْ «هذه فمن الممكن أن تجتمع المتناقضات في الشخصية المسلمة كما تجتمع في الحركات والجماعات الإسلامية، بحيث نجد إسلاميا يؤمن باللبرالية حتى النخاع ويدافع عنها كما يدافع عن العلمانية حتى الممات، أو ماركسيا يقرأ القرآن ويُصلى عليه في الجامع ويُدفن في مقابر المسلمين، أو وطنيا عنصريا يتخذ من الفكر القومي منهج حياة له، أو اشتراكيا برجوازيا يعيش قمة الرأسمالية، أو عالما شرعيا وهو للدين محرف وللقتل مشرع وللفتنة محرض، أو قاضيا عن الظلم مدافع وللحقوق مضيع، أو فنانا وهو في النفاق مبدع، أو فاجرة في التكريم أما مثالية، أو رويبضة في شأن العامة يتحدث، ... . ولو أسقطنا هذه الثنائيات المتناقضة على مناحي الحياة لوجدناها في الدين والسياسة والثقافة والتعليم والتجارة والاقتصاد والاجتماع والصحة وغيرها.
ولعل أسوأ ما خلفته» أيديولوجيا النّوَرْ «هي تلك الثقافة العجيبة اللامبالية التي استوطنت في صميم الفرد والمجتمع. وفي ظلها، تماثلت ثقافة الفرد والمجتمع والدولة. وجردت ثلاثتهم من أية مسؤولية شرعية أو أخلاقية أو حتى موضوعية تجاه الآخرين، حتى صار من المستحيل تَصوُّر أي حضور ذي جدوى لعقيدة الولاء والبراء، بل أن المستقر والشائع والمألوف أن نجد فردا يُقمَع أو مجموعة تُضطَّهد أو شعبا يُذبَح دون أن يحرك أحد، حتى في الجوار، ساكنا.