فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 413

ضبطًا للنفس في التعامل مع المتظاهرين .. وأكثر قدرة على احتواء الاحتجاجات»، لكنها قللت من شعور الرئيس المصري بالأمان: «إذا بدت الاحتجاجات وكأنها تملك فرصة حقيقية للإطاحة به» .

مثل هذه التقييمات لا يمكن الركون إليها. فالجيش المصري هو أكثر المؤسسات التي تحملت عبء الصراع العربي ضد إسرائيل تاريخيا، وأكثر المؤسسات احتراما من قبل المصريين حتى على مستوى الشارع، وهو ما يفتقده الجيش التونسي الذي لم تكن له أية سوابق تاريخية لا في الصراع العربي الإسرائيلي ولا في غيره. كما أن الجيش المصري لم يمارس أي دور قمعي في تاريخه، وحتى لما ضغط الرئيس السابق أنور السادات على قيادته لقمع حركة الشارع في أحداث 18 و 19 يناير 1978 رفض قائده المشير محمد عبد الغني الجمسي إراقة قطرة دم واحدة. وهذا معطى غير قابل أصلا للمقارنة مع الجيش التونسي الذي لم يسبق له أن دعي لأية مهمة وطنية أو قومية كما هو حال الجيش المصري.

من الممكن أن يكون النظام السياسي قد نجح في تدجينه بعد أن تعرض الجيش لعملية تخريب منظمة من الداخل فضلا عن سلسلة من الاغتيالات الغامضة لقياداته بالجملة بدء من أحداث يناير. لكن المراهنة عليه قد تكون خاسرة وخطرة إذا ما لاحظ الجيش أنه، كما المواطنين، لديه فرصة ذهبية للانتقام من القيادة السياسية التي همشته طوال عقود وأضعفت دوره وأخرجته من أية مواجهة، وأحالت الأمر برمته إلى أجهزة الأمن التي مارست بطشها بلا رادع أو حسيب، وتغولت حتى على كرامته الوطنية.

الطريف أن استخدام الجيش كآخر حصن حصين للنظام سيعني أكبر مؤشر على انهيار الأوضاع كلية. فما الذي يضمن ولاء قيادات الجيش للنظام؟ أما الأطرف فهي أن القوى الأمنية نفسها التي تمثل أعتى أدوات النظام لم تعد مضمونة بعد أن بدت ملامح الانحياز إلى الجمهور تتجلى في صورة انضمام لبعض قياداتها وعناصرها إلى المتظاهرين خاصة في الإسكندرية. وهي صور مماثلة لتلك الانحيازات التي جرت في تونس في الأيام الأخيرة من الثورة. ومماثلة لصورة الأحداث التي جرفت طاغية رومانيا نيكولاي تشاوشيسكو الذي استنجد بالجيش فإذا به ينحاز إلى المدنيين.

الموقف الدولي

الموقف الغربي والإسرائيلي عموما يدافع كالعادة عن نظام قائم يلائم مصالحه الاستراتيجية. وكلهم يتعاملون مع وضع مستقر، وإن لم يكن مستقرا فينبغي العمل على استقراره بقطع النظر عما إذا كان هذا ممكنا أم لا. تلك هي استراتيجياتهم. لذا فهم يفتقدون فعليا، والآن، لأية آلية في التراجع خطوة أو التقدم خطوة. فلا هم قادرون على التخلي عن النظام المصري ولا هم قادرون على دعمه. لكن كيف سيتعاملون مع وضع لم تعد فيه دفة الأحداث بيدهم ولا بيد الأنظمة السياسية؟ بمعنى آخر حين يفقد الغرب أدوات السيطرة التقليدية على المنطقة وتصبح بيد الشعوب؛ فما هو مصير الاستثمار الأمني والسياسي في منطقة لم تعد مستقرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت