القادم هو حرب أفكار واستخبارات تدخلها العقول المصرية لأول مرة وهي غير محبطة وغير شاعرة بالخزي والعار من حال بلدها وأهلها في أرض الكنانة.
في القلب جرح كبير لمّا تحتل أغلب الدول العربية أدنى السلم في مكافحة الفساد بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2010، خاصة حين نعلم أن دولة مثل مصر تحتل المركز 98 لتتساوى مع بوركينا فاسو والمكسيك، والمغرب 85، وجيبوتي 91، بينما تحتل عُمان المركز 41، والبحرين 48، والأردن والسعودية 50، والكويت 54، وتونس 59. أرقام تؤكد أن المشكلة ليست في الفساد فحسب بل في الكرامة والقهر. فعن أي إصلاح يتحدث هؤلاء؟
خروج الشباب في تونس ومصر أثبت في الصميم أن الأمة الحية لا يمكن أن تموت حتى لو كان في النفس العربية غصة في القلب من تونس المجروحة .. ومصر المستعبدة .. واليمن الفاسدة. . وسوريا المقهورة .. وفلسطين المغدورة .. الجزائر المذبوحة .. وليبيا المستغفلة .. وموريتانيا المكابرة .. والكويت المهددة .. والبحرين الفريسة .. والسعودية الظالمة .. والإمارات اللاهية .. وقطر المنتشية .. وعُمان المنسية .. ولبنان التائه .. والأردن الحائر .. والعراق المغتصب .. والسودان المطعون .. والمغرب المنهوب. لكن أين تركيا مما يجري في المنطقة؟!!!
الموقف الرسمي
عادة النظم السياسية العربية لا تتغير ولا تتبدل. فهي تصر على الاستخفاف بالأحداث وتحقير الأزمات الكبرى والصغرى وممارسة الغطرسة الإعلامية والكذب والفجور دون أدنى خلق أو احترام لكرامة البشر وعقولهم. فمن جهتها استخدمت الدولة وسائل إعلامها بفجاجة عز نظيرها في التعامل مع الحدث، وأنزلت قواتها الأمنية المدججة بأدوات القمع إلى الشوارع، واستنفرت مؤيديها والمدافعين عنها لتشويهه وتقزيمه وحتى التعامي عنه، وعقدت الصفقات المخزية مع بعض وسائل الإعلام لتجنب الإشارة إلى الأحداث في محاولة منها للحصول على فرصة لقمع الحدث والسيطرة عليه قبل تناوله من قبل الفضائيات. أما صحيفة «الأهرام» التي لا تتوانى عن ارتكاب الفضائح الدولية والموبقات في تزوير صورة الرئيس مبارك حين زار الولايات المتحدة لم تتوانى هي الأخرى عن ممارسة الطرش والعمى كلما اهتزت مكاتبها على وقع أصوات المتظاهرين. هؤلاء الذين نجحوا في الالتفاف على قوى الأمن واخترقوا ميدان التحرير في قلب القاهرة لم تسمع بهم «الأهرام» ولم ترهم من قبل وهم تحت مكاتبها، لكنها سمعت دوي الحناجر في لبنان وجعلت أصواته على الصفحة الأولى!
رغم أن البلاد تغلي غضبا وغليانا إلا أن الرئيس مبارك لم يظهر ولم ينطق ولو بكلمة. وصدق من قال بأن الحكومة أوكلت الأمر لوزارة الداخلية التي حاولت أن تلعب دور الحمل الوديع في عدم التصادم مع المتظاهرين،