معتبر منها، في صراعات القوى الإسلامية مع «القاعدة» في سجن صدنايا. ففي خضم أحداث السجن التي انطلقت في 5/ 7/2008 انفجر الصراع بين الفريقين على طريقة مواجهة سلطات السجن. وكانت عبارات التخوين والتآمر والتخاذل والتكفير والتراجع والخضوع والإقصاء والتحالفات ... هي السائدة على مدار ثمانية أشهر من المواجهة. وغني عن البيان القول بأنه لم يكن في الشام خلال الأحداث لا «ثورة» ولا «دولة» ، ومع ذلك فما أن أعلنت «دولة العراق الإسلامية» تمددها باتجاه الشام حتى هيمنت على عقلية أبرز قيادات الجبهة وشرعييها تجربة الجزائر كما لو أن الصدام قادم لا محالة!
لكن ما كان للصراع أن ينفجر بهذه السرعة خاصة وأن بنية الجبهة من «الأحرار» وغيرها ذات عقيدة جهادية لا تخفى، بل أن بعض الشهادات الإعلامية تؤكد أن ما بين 70 - 80% من الكتلة المقاتلة في «الأحرار» رفضت الدخول في الاقتتال. لكن إنْ كان للتنوع الأيديولوجي في مستوى قيادات الجبهة سهما في إذكاء جذوة الصراع، فإن انضمام «جيش الإسلام» ، الذي مثل قائده زهران علوش رأس الحربة في التحريض، هو الذي عجل في وقوع الصدام الذي كان من الممكن احتواؤه وتجنب تداعياته ولو ببعض الخسائر، أما «الدولة» فيما تعتقد أولا، وسياساتها ثانيا، فقد ساهمت بشكل حاسم في استمرار الصراع وتوسعه باتجاه «النصرة» . وقد يبدو تساؤلا مشروعا ذاك الذي يقول: لمَ كانت علاقة «الأحرار» ودية مع «جبهة النصرة» ولم يحصل أي تصادم بينهما طوال عام كامل في حين بدت عدائية منذ اللحظات الأولى للتمدد؟
لا ريب أن كثافة العنصر الجهادي كانت سببا رئيسا في هذا التقارب. لكن التوجهات الجديدة لـ «القاعدة» في الشام تقدم أكثر من تفسير، في ضوء حرصها على عدم الظهور العلني على الساحة من جهة، وعلى التخلص من عبء التسمية في الشام من جهة أخرى، لاسيما وأن «القاعدة» غدت عنوانا منفرا ومخيفا ومكلفا لدى العامة من الناس. وهو ما نجحت «جبهة النصرة» في تجنبه حتى أصبحت في غضون سنة واحدة من أميز الجماعات الجهادية نظرا لعلاقاتها الودية مع الجميع، وأكثرها شعبية في الخارج، لكونها قدمت نموذجا جهاديا منضبطا، يستجيب لطموحات الجهاديين في شتى أنحاء العالم، ويطمئنهم على ساحة بحجم الشام من أن تقع لاحقا فريسة الصراعات البينية كما حصل في ساحات أخرى كأفغانستان والعراق على وجه الخصوص.
ثالثا: الاستدراج
بفعل سياساتها وبنيتها التنظيمية فضلا عن انحيازها إلى الأخذ بـ «الرخص الشرعية» ؛ وضعت «الجبهة الإسلامية» السورية نفسها هدفا سهلا لسلسلة من الاستدراجات التي شاركت فيها قوى دولية وإقليمية وتيارات إسلامية. فالنظام الدولي يدرك جيدا أن التعامل مع كيان موحد من الجماعات أفضل، في الاحتواء والسيطرة وحتى الإسقاط والتفكيك، من التعامل معها ككتل متجاورة يحتاج كل منها إلى جهد خاص به. وفي هذا السياق بدأت المحاولات الأولى خلال شهر رجب سنة 1434 بين «الجبهة الإسلامية السورية» و «جبهة تحرير سوريا» التي تضم «لواء التوحيد» و «لواء الإسلام» و «صقور الشام» . وفي شهر رمضان من العام نفسه