ليس «التيار السروري» الذي نشطت رموزه في تشكيل «الجبهة الإسلامية» في أكثر من دولة، واستقر تنظيميا فيها، يختلف عن غيره من التيارات التي تنشط باسم الأمة. كل ما في الأمر أنه لا يرى سبيلا لقيام مشروعه الخاص وسيادته طالما بقي مشروع «القاعدة» يتنفس أسباب الحياة. لكن إذا كان مشروع «القاعدة» القائم على الجهاد تلخصه عبارة «الدم الدم .. الهدم الهدم» فإن «مشروع السرورية» ، في المحصلة، صار، كغيره من أغلب المشاريع الإسلامية، أشبه ما يكون بـ «مشروع اللبرالية» ! أي مشروع «الدولة القومية» الذي لا يتعارض في النهاية لا مع النظام المحلي ولا مع النظام الدولي إلا في مصطلحات قابلة للاحتواء على شاكلة «الحكم الرشيد» . كما أنه لا يتعارض جوهريا مع أطروحات القوى الإسلامية الوطنية. وفي المحصلة انتهت مشاريع القوى كما لو أنها مشاريع هدم حتى لبعضها البعض!!!
ثانيا: مشكلات موروثة وبنيوية ومنهجية
ما من شهادة أو تقرير أو تحقيق أو تحليل إلا وجاء فيه أن الجماعات المقاتلة في الثورة السورية ليست إلا انعكاس مطابق لما كان عليه حالها في سجن صدنايا. وما أن أطلق النظام سراح المئات من السجناء غداة انطلاقة الثورة حتى شكلوا أغلب الجماعات المقاتلة، وفي مقدمتها «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» و «صقور الشام» و «لواء الإسلام» وغيرها. وكما السجن تتوزع انتماءات هذه الجماعات على كينونتها في السجن الذي كان يضم السلفيين الدعويين والسلفيين الجهاديين والإخوان وحزب التحرير. وعليه فإن علاقة هذه الجماعات في ظل الثورة لا تبتعد في تقاربها أو تباعدها، عقديا وسياسيا، عما كان عليه الحال داخل أجنحة السجن الثلاثة.
وفيما يخص «كتائب أحرار الشام» ، التنظيم المركزي في «الجبهة الإسلامية» الذي يتحمل تاريخيا القسط الأكبر من المسؤولية الشرعية والجهادية مقارنة ببقية التشكيلات، فقد تشكلت في شهر أيار سنة 2011، وفي نهايتها تم الإعلان عنها. ثم توسعت إلى «حركة» في 31/ 1/2013 لتضم إلى جانب «الكتائب» كل من «حركة الفجر الإسلامية» و «جماعة الطليعة الإسلامية» و «كتائب الإيمان المقاتلة» . لكن أميز ما في «الحركة» منذ تأسيسها هو نزوعها المستمر نحو (1) التوسع وإعادة التشكل بمسميات جديدة مع (2) الاحتفاظ بنواتها الصلبة، سواء كانت صيغ التوسع ائتلافية أو اندماجية. ومع أنها تعج بالقيادات الجهادية التاريخية، فضلا عن تشكيلات لا بأس بها من قواعدها المقاتلة، الأميل إلى الفكر الجهادي، إلا أن بياناتها وإصداراتها وتصريحاتها ومواقفها واستراتيجياتها وتحالفاتها تشير، بما لا يدع مجالا للشك، إلى احتفاظها بـ «مسافة» واضحة من «التيار السلفي الجهادي» ، حتى وإنْ كانت على علاقة ودية ووثيقة مع تشكيلاته لاسيما «جبهة النصرة» .
ومع أن وثائقها تؤكد على «تطبيق الشريعة» وسيادتها في مرحلة ما بعد النظام، والتطلع نحو «دولة إسلامية» ، وهو ما يعني الصدام مع النظام الدولي، إلا أنها نادرا جدا ما أبدت أية مواقف مناهضة للنظام الدولي. وفي المقابل اتجه خطابها نحو التركيز على إسقاط «النظام النصيري» المتحالف مع «النظام المجوسي» في