فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 413

والاحتياجات الأمنية والاتصالات الهاتفية والرسائل البريدية والمجاملات والمحسوبيات والولاءات والعلاقات والقرابية والتاريخية والمهنية وتبادل المنافع والمصالح.

هذا النمط من التفكير والعمل يكاد يكون نسخة طبق الأصل عما تسلكه نخب الدول والنظم السياسية في عالمنا الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، وهو الذي يجعل الأمة تدور في حلقة مفرغة، كون النخب الفاعلة فيها أبعد ما تكون عن الالتزام بالمنهج الشرعي الدقيق والشديد الوضوح واليسر، وإلى حد التطابق مع آليات النظم السياسية ذاتها. ولو استبدلت القوى الجهادية والإسلامية هذا النمط بعقيدة «ما استطعتم» ، لصارت بغنى عن الوقوع في مزالق سياسية وشرعية وعسكرية وأمنية قد تودي بها وبالأمة في لحظة ما.

ومن باب التذكير، فقد كنا عرضنا لنظرية الإعداد وفق منهج «ما استطعتم» في حلقات سابقة. وفيه يمكن ملاحظة المدى الواقع بين الحد الأدنى من الاستطاعة والحد الأقصى، وأن التكليف يقع على الحد الأقصى. أما ما بينهما فهو مجموعة المخاطر والعقبات والمشكلات والقصور التي قد تؤدي إلى الكوارث والفشل وحتى النزاع والاقتتال والفوضى والهزائم. ولو أسقطنا هذا المنهج على الميثاق الموصوف بـ «مشروع أمة» لتقييمه، فسيتبين لنا أن صياغته لم تفارق الحد الأدنى. فما هو الحد الأقصى؟ وما هي فاعليته؟

حين نتحدث عن الأمة فإننا نعني بها أمة الإسلام المنتشرة في الأرض، والتي يمثلها كما يقول أمير «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني «أهل العلم والصلاح والرشاد» . فحيثما تَواجَدَ المسلمون لا بد أن يتواجد من بين هؤلاء الوجهاء والأمراء والعلماء والمشايخ والدعاة والناصحون والمفكرون والمثقفون والإعلاميون والناشطون والفاعلون والخبراء والمتخصصون والقوى المتصدرة لأحوال الأمة وقضاياها. ومن يتحدث عن «مشروع أمة» سيكون لزاما عليه أن يصل إلى هؤلاء بقطع النظر إنْ كان يوافقهم أو يعارضهم، وإنْ عزم على ذلك فلن يعدم الوسيلة. بل من المفترض أن تكون هناك فِرَق عمل متخصصة مهمتها الاتصال والتواصل والتفتيش عن هؤلاء، ووضعهم في قائمة حتى لو بلغت ضمن الاستطاعة مليون شخصية أو مؤسسة. فالتواصل مع هؤلاء سيؤدي مع الوقت إلى حشد الأمة والوقوف على طاقاتها ثم تفعيلها والاحتماء بها.

كان من الممكن القول بأن ميثاق «الجبهة الإسلامية» هو «مشروع أمة» لو عمل القائمون عليه فقط في تشكيل لجنة لتوصيف الصراع في المرحلة الأولى، ثم تشكيل لجنة صياغة متخصصة من الشرعيين والسياسيين والإعلاميين والمهرة من المتخصصين في العلاقات العامة وخبراء الاتصال والتواصل، للخروج بنص يليق به الوصف، بحيث يمكن إرساله، بعد إنجازه، إلى «أهل العلم والصلاح والرشاد» ليبدوا رأيهم فيه حتى لو كانوا في أقاصي الأرض. فلا بد وأن يكون ثمة ردود يتم دراستها والأخذ بما يستدعي التنقيح، مرة ومرتين وثلاث، إلى أن يستقر النص في صيغته النهائية. بمثل هذه الآلية يمكن إشراك الأمة كلها وتحميلها المسؤولية، والخروج بما يستحق الوصف فعلا بأنه «مشروع أمة» تدعمه كل الأمة دون خشية من ردود الأفعال بقدر ما سيكون هناك حصانة من الضغوط من هذه الجهة أو تلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت